رأي الحزب

النشرة البريدية

تسجيل دخول محرر الموقع

مواقع صديقة

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

واسيني الأعرج بين الإبداع والتجديد.. سطور حياة وفن

يارا بالي

بعبقريةٍ عظيمة، وخلقٍ سحريٍّ جديد التكوين، ومخيلةٍ لا حدود لها، استطاع الروائي الدكتور واسيني الأعرج أن يرسم خطوط عمره بريشة فنان محترف، أدركه الإبداع خير إدراك، فأنتج للعالم أدباً ساحراً، ارتقى بالمتلقي وفكره، ولد واسيني الأعرج بتاريخ 8 آب 1954 في مدينة (سيدي بو جنان) في الجزائر، بدأ مسيرته كطالب جامعي في كلية الآداب-قسم اللغة العربية- وما لبث حتى تخرج منها، ونال منحة دراسية حكومية انتقل بموجبها إلى جامعة دمشق لإتمام الماجستير والدكتوراه فيها، وعندما أنهى دراسته عاد إلى موطنه الأم، وشغل منصباً أكاديمياً في جامعته، جامعة الجزائر. تابع دراسته حتى عام 1994 حيث اندلعت الحرب الأهلية في الجزائر، مما اضطره إلى مغادرتها، والتوجه إلى فرنسا؛ لينضم إلى الكادر التدريسيّ في الجّامعة الفرنسيّة (السوربون) ويدرّس الأدب العربي فيها. حفر الأعرج اسمه بخطوط من ذهب، إذ يعد اليوم من أبرز الكتّاب العرب، وأكثرهم شهرة، نوقشت أعماله في الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه، وحظيت رواياته باهتمامٍ واسع من النقّاد، وأهل العلم والاختصاص. كان الأعرج ومازال ناشطاً واسع الأثر في المحافل الثقافية، والأدبية، والمنتديات العالمية، كتب الكثير من المقالات الصحفية، كما أنتج الأعرج برامج تلفزيونية عدة ..

في حين ساهم إتقانه للفرنسية بانتشاره على المدى الأكبر، فقد ألّف العديد من الكتب باللغة الفرنسية، وترجم بعضها بنفسه، فذاع صيته آنذاك في فرنسا وجميع البلدان الناطقة بالفرنسية. بدأ عالم الرواية في مطلع الثمانينات، فكتب الكثير من الروايات كان أعظمها (طوق الياسمين) التي أنتجها عام 1981، إذ نالت رواجاً عظيماً، وانتشاراً واسعاً، كما كتب في النقد الأدبي عملان عظيمان، الأول وهو أطروحة الدكتوراه التي عنونها بـ(اتجاهات الرواية العربية في الجزائر، بحث في الأصول التاريخية والجمالية) سنة 1986، وتبعها دراسة نقدية أخرى بعنوان (الطاهر وطار، تجربة الكتابة الواقعية، الرواية نموذجاً، دراسة نقدية) وذلك سنة 1989. وقد قسّم لنا واسيني الأعرج تجربته الإبداعية إلى ثلاث مراحل أساسية وهي:

-
المرحلة الأولى: (العلاقة مع الجرح) وهي مرحلة تنخر آثارها في ذاكرته منذ طفولته الأولى، الّتي عاصرت الثورة التحريرية، والتي فيها استشهد والده أحمد الأعرج، لذا كانت الكتابة محاولة من الذات لإيجاد علاقة طبيعية، مع هذا الجرح، أي نوع من التواصل الطبيعي بين الذاكرة والذات المتألمة.

أما -المرحلة الثانية: فهي مرحلة التقاطع بين تجربة الذات المبدعة، وتجربة الذوات الأخرى للجيل السابق له، والتي تمثل بالنسبة لتجربته الإبداعية وعياً، بتقاطع تجربتين مختلفتين، بحيث تغيب في تجربة الجيل الأول تأثيرات الرواية العربية، مع جيله الذي كان يمثل مرحلة البحث عن الذات بل عن الهوية المميزة لخصوصية كتابته الروائية.

-
ثم المرحلة الثالثة: التي شهدت القتل الفرويدي للسلطة الأبوية من خلال النص المغاير للمعهود، وذلك بالعودة إلى التراث واستلهام مادته في تكوين مادة روائية جديدة تمارس التجريب كمذهب فني يؤسس لزمن روائي جديد، غير ذلك الذي عرفته الساحة الأدبية في فترة السبعينيات والثمانينيات، وبهذا انفلت واسيني من دائرة التأسيس النظري إلى دائرة الممارسة والتجربة الفنية الفردية من أجل تجسيد قناعاته الفكرية التي انطلق منها في بداية حياته العلمية الأكاديمية، كأنه كان يحمل هاجس التوفيق بين (النظرية) و (التطبيق) أو بين (المقولات) و (الممارسات)، إذ لا يتحقق الوجود الفعلي للأفكار إلا بوجود صور لها على الواقع ومن ثم لا يكون الواقع سوى صورة لما يختمر في الذهن

_
مقتطفات من أعماله : (رماد: يا آخر ذئاب البراري الموحشة هل العالم هو من يعيش في كذبة الحياة؟! أم نحن من يعيش في كذبة الموت؟!). من رواية العربي الأخير 2084.

(من يتذكر اليوم طغاة الدنيا منذ بدء الخليقة؟ لكن من ينسى اليوم شكسبير، فلوبير، الحلاج، بشار بن برد، سرفانتس، عمر الخيام… لكن من يتذكر قاتل بوشكين؟) من رواية ذاكرة الماء.

(آن الأوان لأعبر هذا الجسر الأخير اخترت أن أموت هنا داخل هذه الكومة من الغبار مجردُ وهمم جميل عشت به قرابة القرن من العبث وربما أكثر) من رواية العربي الأخير.

رأي.. وبوح رأيت أن أختم قولي عن هذا الرجل المتين، الذي أفخر كل الفخر أنه ينتمي إلى بلادي العربية، برأيٍّ موجز، علني أصل فيه إلى صبوتي، بأن أشجع القارئ أن ينهل ويستمتع من فيض وعظيم ما قدّم و أبدع .. وقد حاولت أن أضيء على مسيرته الطويلة، ولو بالقليل، ولكن كان من شبه المستحيل أن أحيط بزوايا إبداعه قاطبة في سطور .. أو أن أوفيه بعضاً من حقه. واسيني الأعرج أديب ومفكر عظيم، وهو نتاج موهبة كبيرة، دفعته لدراسة العربية، فقد استطاع بعبقريته الجمع بين العلم والموهبة البارزة، فصاغ لنا أدباً راقياً، بعلمٍ نقدي كبير كان هو أهله بكل ما أمتعنا به، وكان القارئ له وكأنه قرأ أغلب وأعذب أصناف الأدب، في روح أدبية واحدة.

جريدة النور

انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

مقالات مختارة