رأي الحزب

النشرة البريدية

تسجيل دخول محرر الموقع

مواقع صديقة

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

كارثة الاستثمار وتغيير الأسماء في محافظة دمشق

بهدف تنظيم ما سُمي بالعشوائيات في منطقتين ضمن محافظة دمشق وهما (خلف الرازي – كفرسوسة)، و(المتحلق الجنوبي)، قررت محافظة دمشق بدءاً من عام 2012 تسمية المنطقة الأولى (ماروتا سيتي) والثانية (باسيليا سيتي).

(ماروتا سيتي): (ماروتا) الذي ترى محافظة دمشق أنه يعني السيادة، باللغة السريانية، هو مشروع عمراني تنظيمي تم الإعلان عنه سنة 2012 بـاسم (تنظيم شرقي المزة)، وهو يقع في منطقة بساتين الرازي واللوّان في كفرسوسة وبساتين المزة، وقد بوشر العمل فيه في منتصف عام 2017 من قبل محافظة دمشق وشركة دمشق الشام القابضة، على أن يستمر العمل مدة خمس سنوات، يظهر بعدها عدد من (ناطحات السحاب) والمراكز التجارية الضخمة ومساحات واسعة من الحدائق والجامعات والمدارس والمرافق الثقافية المتنوعة، كما سيضم المشروع (مول) تجاري مساحته 120000م2، وثلاثة أبراج من أكبر الأبراج في الشرق الأوسط، سيكون أحدها بارتفاع سبعين طابقاً وسوف يكون المشروع من المدن الذكية العالمية، حسب ما وُصف به.

(باسيليا سيتي): (باسيليا) حسبما ترى محافظة دمشق أيضاً هو اسم سرياني يعني الجنّة، وهو مشروع أعلنت عنه المحافظة في شهر تموز من عام 2018، مبيّنةً المخطط التنظيمي التفصيلي له، ويضم منطقة جنوب المتحلق الجنوبي وصولاً إلى القدم والعسالي وشارع الثلاثين، وهي من أكبر المناطق التنظيمية على مستوى سورية، وتصل مساحتها إلى تسعمئة هكتار وعدد عقاراتها أربعة آلاف.

كارثة ستلحق بدمشق: وبينما أعلنت محافظة دمشق أن الأسماء القديمة التي كانت تحملها المناطق التي شملها المشروعان المذكوران، لم تعد موجودة، فإننا نشير هنا إلى كارثة ستلحق بدمشق، وعلى سبيل المثال فإن حي القدم الشهير والعريق، والذي يعد مدخل دمشق الجنوبي، كان قد حافظ على بقائه واستمراره واسمه قروناً طويلة من الزمن، وقاوم أبناؤه الاحتلال الفرنسي بشدة، ولم يتمكن هذا الاحتلال من محوه من الأحياء الدمشقية حين قصفه مراراً إبان الثورة السورية ضد الفرنسيين، فضلاً عن الأهمية الخاصة لذلك الحي في القرون السابقة، فقد كان آخر الأحياء الدمشقية التي تودّع المحمل الشريف المغادر من دمشق إلى البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج، وأول من يستقبله قبل وصوله إلى دمشق.

أما الأهمية الكبرى لحي القدم الدمشقي فهي وجود جامع القدم الكبير فيه، وهو أشهر مساجد دمشق وأقدمها، يعود إلى العهد الأموي، وقد بُني قبل الجامع الأموي الشهير في دمشق، وفي الحديقة الخلفية لجامع القدم الكبير ضريح المؤرخ السوري والإمام العلاّمة ابن عساكر (499-571هـ)، الحافظ الكبير ومحدّث الشام وصاحب العديد من المؤلفات وأهمها (تاريخ دمشق)، الذي أضحى نموذج المؤرخين في كتابة تاريخ المدن، فهل سيطيب رقاد هذا المؤرخ العلامة بعد الآن في مثواه بحيّ القدم؟

 

واقع أليم

لا شك أننا أمام واقع أليم، فتغيير معالم مدينة دمشق والعبث بخريطة ذاكرتها، سيؤدي إلى خسارة الكثير من مخزونها الحضاري والتراثي، وسيُحدث الكثير من التغييرات في وثائق بُنيانها وصكوك الملكية المتوارثة بين أبنائها والعناوين الخالدة، فهل هي دعوة لنسيان ما لا يُنسى؟ لأنه وبمجرد تغيير اسم الاسم ينقلب الوضع برمّته، وهل هو إعلان بدء مرحلة جديدة لترسيخ قواعدها في أذهان العامة عبر إعادة تسمية ما هو مسمى؟! إن تغيير الأسماء لتحمل علامة المستثمرين، إنما هو محاولة لتغيير منظور سرد التاريخ، فالقدم والعسالي وبساتين المزة والرازي وكفرسوسة، هي مناطق وأماكن حيوية قديمة لدمشق، فهل استهدفها الاستثمار ليوصل رسالته من خلال الأسماء الجديدة؟ وأي استغلال هذا للأسماء السريانية، إن صحّت دقّتها؟!

القاعدة الأصح تقول إنه علينا الحفاظ على تلك الأسماء فيما لو كانت تحملها فعلاً مناطق مهددة لدينا، وليس سحبها من قواميس الشابكة وإطلاقها على مناطق وأحياء لها أسماء أخرى من الماضي العريق! لذا فإطلاق تسميات جديدة تحابي الاستثمار الجديد، هو نوع من التزييف للتاريخ، ووسيلة من وسائل تصفية المتعارف عليه والمألوف القديم نفسياً ومعنوياً، حيث يتم تدمير إنجازات ومعالم سابقة، لينسبها الجديد إلى نفسه تدريجياً. ولا يغيب عن بال المتخصصين بعلوم التاريخ والجغرافيا، أن الطاقة البصرية والمعرفية لأسماء جغرافيا المكان هي أحياناً بمثابة إعلانات سياسية، كما يجب ألا يغيب عن بال المستثمرين الجدد أن الموضوع لن يكون محسوماً ببساطة، لأن الهوية مثبتة بتراث الشعوب وذاكرتهم وقيمهم وثقافتهم، ومهما حدث من تغييرات في التسميات، ستظل القيم المحورية للمجتمع ثابتة، وسيتم الدفاع عنها.

وختاماً لا بأس من أن نذكّر أصحاب القرارات الاستثمارية الجائرة تلك، أنه وفق قرار اتخذته بلدية (فان)، في جمهورية أرمينيا، عام 2015، تم تغيير أسماء ما يزيد على سبعمئة بلدة وحي في المدينة المذكورة، ولكن إلى أسمائها التاريخية القديمة التي كانت تحملها من قبل، الأمر الذي حظي بأصوات غالبية أعضاء مجلس بلدية (فان)، فماذا عن أعضاء مجلس محافظة دمشق؟!

 

سليمان أمين

النور

9/ 07 / 2019

انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

مقالات مختارة