رأي الحزب

النشرة البريدية

تسجيل دخول محرر الموقع

مواقع صديقة

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

من الفساد المقنّع إلى الفساد المكشوف

في أحد المشاهد من حلقةٍ ضمن مسلسلٍ يُعالج السّلبيات في البلد بطريقةٍ ساخرةٍ وكوميديّةٍ، يحاول صاحب معاملة إعطاء موظف رشوة من تحت الطّاولة فينتفض الموّظف غاضباً (ليش عم تخبّيها ليش؟ عطيني ياها من فوق الطاولة! أنا بدّي أرتشي.. ياعالم أنا مرتشي!). بمعنى أنّه لم تعد هناك ضرورة لإخفاء فساده ولم يعد مهمّاً أن ينتشر صيته على العلن، فلا محاسبة ولا عقوبة ولاخوف ولا شيء يدعو إلى السّرية كما كان سابقاً. هذه اللّقطة ضمن قالبٍ ساخرٍ يعكس الواقع المرير الّذي على ما يبدو وصل إليه حال البلد. ويبدو هذا جليّاً في آخر صفقات الفساد الواضحة للعيان الّذي كشفه انزلاق تحويلة في محافظة اللّاذقيّة_منطقة الحفّة _ والّذي فضح الفساد الكامن في أغلب مشاريع البلد، الّتي ربما لاحقاً سنشهد الكثير من حلقاتها تِباعاً. هذا المشروع الّذي لم يمرّ على احتفال تدشينه أربعة أشهر، بتكلفة قُدّرت بمليار ومئتي مليون ليرة سوريّة، في بلد يعاني من آثار الخراب والدّمار نتيجة الحرب الدّموية الّتي فُرضت عليه. وقد أفاد بعض المسؤولين أنّ غزارة الأمطار هي السّبب! وتمّ تشكيل لجنة تحقيق بالواقعة لكنّ تصريحات البعض سبقت النّتيجة، وهذا ما آثار استهزاء الكثير من المواطنين في وخصوصاً على مواقع التّواصل الاجتماعيّ، الّتي يبدو أنّها أصبحت الأداة الوحيدة لكشف الفساد وإبداء الرّأي. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّه ربما حصلت عشرات الحالات، لكن لم تكن تتوفر يومذاك آليّة لنقل الأخبار بسرعة وبدقّة كما هي اليوم، وقد صرّح العديد من المختصّين بآرائهم حول ما حدث، وعن الخطأ في دراسة المشروع أو الخطأ في الإشراف وإدارة المشروع. وقد تحدّث بعض الخبراء عن أنّ تربة المنطقة أغلبها سيليتيّة أو جصيّة وهي من أسوأ أنواع التّرب في التّأسيس. وتشير الصّور الّتي نُشرت عن انهيار جزء من التّحويلة، إلى أنّ موقع الانهيار في الطّريق هو ردميّة تمّ تنفيذها بعلوّ أمتار، وأُنشئ عليها جسم الطّريق. وهذا واضح من الفرق بين منسوب سطح الطّريق الأعلى ومنسوب الأرض على جانبه ولا يوجد، بحسب الصّور كتلة جبلية منهارة ملاصقة للجزء المردوم المنهار. ولو كان يوجد سفح متاخم للطّريق منزلق لكان الانهيار لجسم الطّريق بشكل مضغوط باتجاه الدّاخل وليس كما تظهر الصّور، فالانهيار على شكل مفتوح باتجاه خارج الطّريق. ومنطقة الحفّة تتميّز بغزارة أمطارها ومن المفروض أن يؤخذ ذلك بالاعتبار في الدّراسة بديهيّاً، وكذلك نوع التّربة وخصائصها والطّبيعة الطّبوغرافية ومواقع السيول. تضارب التّوضيح مع الواقع المصوّر يقود بشكلٍ كبيرٍ إلى الاعتقاد أنّ المسألة قضيّة فساد وتقصير، خاصّة بعدما استشرى الفساد في أعمال هذه المؤسسة والأمثلة كثيرة. وقد أشار وسيم محسن (المهندس المدنيّ وأحد أبطال الجيش السّوري) إلى ضرورة التّحقيق، وأوضح أنّ الانزلاق أو الانسلاخ ناجمٌ عن عدم وجود الجّدار الاستناديّ أو ضعفه، وأغلِّب فكرة عدم وجود جدار، لأنّه غير واضح في الصّور الّتي نُشرت. والخطأ أيضاً في الدّراسة وليس فقط في الإشراف، وإذا كان هناك ضعف في التّحريات الجيوتكنيكيّة، تكون الدّراسة كلّها مبنيّة على باطل، ما أدّى إلى هذا الانسلاخ. طبعاً المهندس المشرف لا يُعفى من الاتهام لأنّه القائم على الواقع، إلّا في حال أنّه وجّه كتاباً بضرورة وجود جدار استناديّ ولم يُوافَق عليه. وأضاف المهندس وسيم إنّ التّأسيس يتابعه ويشرف عليه مراقب ومهندس مشرف، أي المسؤوليّة مشتركة، وقد يكون بالفعل ناتجاً بشكل طبيعيّ، وهذا تابع لتحقيق مستقلّ من خارج المحافظة يُنهي الجدل، وخاصّة استغلال بعض الصّفحات لتعيد تلميع ما بناه المحتلّ العثمانيّ والفرنسيّ جودة ونظافة وغيره وهذا الأهم. لكنّ العمل كلّه يكون قائماً على تقرير ميكانيك التّربة الّذي سيوضح أتوماتيكيّاً ضرورة بناء جدار أو الاستعاضة عن الرّدميات بنوع آخر ملائم أكثر، والزّفت طبقة تجميليّة لا علاقة لها بالأمر وسُمكُه مقبولة، لكنّ العيب في التّأسيس (ردميّات وجدران). تتعدّد الآراء والفساد واحد، والجيّد تشكيل لجنة تحقيق ٍخاصّة وهي ذات حدّين، فإمّا أن يتمّ التّحقيق بموضوعيّة ويكون هناك عقوبات وردع لاحقاً لمن تسوّل له نفسه، سواء كان الخطأ في توظيف الأشخاص دون كفاءة، أو كان مقصوداً بسرقة المال العام وإعطاء المشاريع الحكوميّة كما جرت العادة أموالاً دون أعمال جيّدة وهدراً بالإنفاق ونتائج أدنى من المتوقّع والمخطّط وأقلّ فعاليّة. أو تكون لجنة شكليّة مهمتها ترقيع ما جرى والتّغطية والتّعمية عن الحقائق. وهنا يأمن المكلّفون بالتّنفيذ على تدنّي جودة مشاريعهم وتعهداتهم، ويستمرّون في الأداء السيء نفسه. والمشكلة هنا أنّ المشاريع الّتي قد يتبعها ضحايا هي الّتي يجدر الحذر من دخول الفساد فيها وتعيين غير الكفاءات لأيّ أسباب منفعة كانت، وخصوصاً أنّنا قادمون على مرحلة إعادة إعمار طويلة، فهل حقاً الأمطار هي من كشفت الواقع المرير وزيف الإنجازات الوهميّة، أم أنّ الفساد أصبح لا يخجل من نفسه ولا يستتر ويظهر على العلن بشكل آخر، كأنّه يقول: ماذا أنتم فاعلون؟ وهو ما نراه في أغلب (الإنجازات) المضحكة كما حصل في دوار جبلة الشّهير وغيره على سبيل المثال. إنّ الكثير من الأموال تُهدَر على أمور حتّى وإن كان هناك ما هو أبدى منها فعلى الأقلّ أن تُنجز بشكل حضاريّ ولائق وأن تكون البصمة الجماليّة والمتانة عنوانه، فيفخر بها المواطن بعمران بلده وحضارته، وإذا كان من الصّعب بمكان توظيف الخبراء وإدارة المشاريع بشكل جيّد، فلتوظّف هذه الأموال في مشاريع لدعم أسر الشّهداء وجرحى الحرب، فهذا أفضل بكثير من الهدر دون إنتاج وإضاعة المال العام والوقت في بلد لم يتعافى بعد من ويلات الإرهاب. ما حصل من انهيارٍ معيبٍ في هذا الوقت وهذا الزّمن هو ليس إلّا مثالاً متكرّراً وسيتكرّر لاحقاً إن لم تكن هناك إجراءات صارمة ورقابة وتخطيط ودراسة، وأن يُمنع الفساد من التجوّل عارياً دون رقيب ولا حسيب ولا رادع. لم يذكر التّاريخ عن نهوض حصل إلّا بعد حرب مع الفساد وتأهيل الأفراد لقيادة التغيير وتشجيع أصحاب العلاقة والخبرة ورفدهم بكل الإمكانيات المتاحة لبناء وطن.

المجد للشّهداء، حماة الدّيار عليكم سلام.

ريم الحسن

النور

26/ 02 / 2019

انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

مقالات مختارة