رأي الحزب

النشرة البريدية

تسجيل دخول محرر الموقع

مواقع صديقة

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

الفساد.. إنه بلاء السوريين

يبدو أن السوريين بعد أن دخلوا في النفق الأسود.. في دوامة الحرب ومواجهة غزو إرهابي فاشي، ومعاناة معيشية واجتماعية، وفقر وبطالة وجوع، بدؤوا يكتشفون  مظاهر جديدة للفساد، في بلادهم، لم تكن تخطر ببال الشياطين؟!

هل تصنف أعمال الخطف وطلب الفدية، وافتتاح ممرات للتهريب، وسرقة المصانع، والمتاجرة بالسلاح، والتلاعب بأسعار القطع الأجنبي، واحتكار السلع الأساسية، وترويج المخدرات والعقاقير، وتزوير الصحف العقارية، وانتحال الصفات، وسرقة الأعضاء البشرية، هل تصنف  هذه الأعمال بالجرائم؟؟ أم نكتفي، كما يفعل البعض، بردّها إلى تداعيات الحرب؟!! أين تذهب المليارات  التي دخلت خزائن وحسابات (الحيتان) ومساعديهم؟ وهل سنكتشف بعد انتهاء العمليات العسكرية طبقة جديدة (بازغة) بفعل الأعمال غير المشروعة، تتحكم بكل شيء؟!

هل يكفي رفع شعارات مكافحة الفساد كي يخاف هذا (الفساد) ويرحل عن ظهور السوريين؟

نظرة إلى طبيعة الفساد، وأسبابه.. وأضراره على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في جميع البلدان.

إن الحصول على المكاسب بطريقة غير مشروعة ليس ظاهرة جديدة، فهي قديمة قدم انقسام المجتمعات إلى طبقات وفئات اجتماعية، ولا تقتصر على البلدان المتخلفة والنامية، فهي موجودة في جميع الدول. لكن الفساد في الدول الديمقراطية يصطدم بالقوانين الواضحة التي تسن في المجالس المنتخبة ديمقراطياً، إذ تتيح لممثلي الشعب وهيئات المجتمع المدني الاطلاع على الملفات المالية والإدارية الخاصة بالشركات والأفراد، ومع ذلك فقد ظهرت إلى العلن فضائح فساد كبيرة تورط فيها سياسيون وشركات كبرى .

تعددت الدراسات والآراء حول الفساد وفقاً لما يسوقه كل باحث عن أسبابه ونتائجه وطرق مكافحته، لكن ما يُجمع عليه الباحثون هو الأضرار التي يتسبب بها الفساد للخزينة العامة للدولة المعنية، وما يسببه ذلك من تخفيض لاستثماراتها المنتجة، ولمخصصات الدعم الاجتماعي كالتعليم والصحة، وتقليص فرص الفئات الاجتماعية الفقيرة من الحصول على توزيع عادل للثروات، لكن الأهم هو الشعور العام الذي يخلفه الفساد لدى شعوب الدول التي يكتسحها، وهو عدم جدوى القوانين إزاء فئات تخالف هذه القوانين، بل تستغلها للحصول على منافع مادية ومعنوية. وقد وضع بعض الباحثين حلولاً لهذه الآفة التي تضرب خصوصاً اقتصادات الدول. كما أوضح آخرون أن الفساد يرتبط بعدم سيادة آليات السوق، وبالتدخل الحكومي في العملية الاقتصادية، وحمّلوا قطاع الدولة مسؤولية الفساد.

أما في البلدان النامية، فللقضية وجه آخر، إذ يمكن ببساطة شديدة الربط بين عمليات الفساد والأزمات الاقتصادية التي تعانيها هذه الدول. أما عن حجم الفساد في الدول النامية، والتي يبلغ عددها خمسين دولة، فقد أظهرت الدراسات التي قامت بها الأمم المتحدة،وهيئات دولية مستقلة، أن المبالغ التي اختلستها القيادات الفاسدة بلغت 6ر1 تريليون دولار، وأن 40 مليار دولار تُنهب سنوياً من قبل الأشخاص الذين يتقلدون في أعلى مستويات الحكم في الدول الأكثر فقراً في العالم، كما يضيع نحو 25 % من الناتج المحلي الإجمالي للدول الإفريقية بسبب الفساد سنوياً.

اختلط الواقع والخيال في وصف عمليات الفساد التي تكشّفت في سورية خلال العقدين الماضيين، وخاصة خلال سنوات الجمر الثماني، فتعددت الروايات.. وتنوع الأبطال الظاهرون في الصورة.. وأولئك الذين يختفون في مراكز الإسناد والدعم، لكن الأضرار التي تسببت بها تلك العمليات، والشعور الذي خلفته بين فئات الشعب، والذي يتدرج بين الإحباط.. والغضب.. والنقمة، هو شعور حقيقي.. وواقعي.

تتعدد الآراء في سورية حول الفساد وأسبابه وطرق مكافحته، لكن أبرز تلك الآراء تمحورت حول الأسباب التالية:

1 – الفساد ارتبط بالنهج الاقتصادي للدولة الذي أدى منذ ستينيات القرن المنصرم إلى تضخم المؤسسات العامة والاقتصادية، وتنامي دور الحكومات في الحياة الاقتصادية، وهيمنتها على القرار الاقتصادي، من خلال مساهمتها مساهمة فاعلة في عمليات إنتاج السلع وتوزيعها، ويتوصل هؤلاء إلى نتيجة مفادها أن تقليص دور الدولة وانسحابها من لعب دور المنتج.. والتاجر، سيقطع الطريق على استشراء عمليات الفساد.

2 – إن عمليات الفساد تعبّر عن قصور التشريعات والقوانين الرادعة، ولا ترتبط بالنهج الاقتصادي للبلاد، بل بالحوكمة.. والإدارة الرشيدة لكلا القطاعين العام والخاص، لذلك تكتسب التشريعات التي تنظم الإدارة، وتلك التي تضع العقوبات، أهمية فائقة في تجفيف بؤر الفساد.

3 – إن استشراء الفساد ارتبط في سورية خلال السنوات القليلة الماضية ببروز مفاهيم جديدة.. وفلسفة جديدة جاءت بعد سيطرة اقتصاد السوق وآلياته.. وتحرير الأسعار.. بعد عقود من الاقتصاد الموجه، فانتعشت الوساطات بأشكالها المختلفة، وسيطرت الشطارة و(الفهلوية) والربح السريع، والرغبة في حياة البذخ والثراء بأيسر الطرق وأسهلها.

4 – إن غياب التعددية السياسية والاقتصادية، ومؤسسات المجتمع المدني، والمجالس التمثيلية المنتخبة بطريقة ديمقراطية.. حرة، لعقود طويلة، شكّل بيئة صالحة لنمو الفساد بأشكاله المختلفة.

يذكر السوريون بألم بالغ، صفقاتٍ فاسدة.. وأبطالاً فاسدين، وشاهِدهم على ذلك ما كشفته الصحافة الرسمية. لكنهم في كثير من الأحيان يتداولون قصصاً.. وأقاويل لا تبتعد كثيراً عن الواقع، وإن بالغت في حجم الضرر الحاصل، فهذه المؤسسة اختلس المحاسب صندوقها.. وذلك المستشفى استورد أجهزة معطلة، ومخالفة للمواصفات المطلوبة، وتاجر أدخل إلى الأسواق لحوماً لا تصلح حتى طعاماً للكلاب.. ومسؤول حكومي وجد في منزله وسجله العقاري مليارات الليرات والدولارات، والمنازل، وأطباء يعلقون على جدران عياداتهم شهادات مشكوكاً فيها.. وطلاب ينجحون دون شراء الكتب الجامعية! في الوقت الذي تعاني فيه الفئات الاجتماعية المختلفة مصاعب معيشية واجتماعية، في ظل حصار اقتصادي جائر، وتخبط حكومي في معالجة همومهم الحياتية، تضيّق عليهم سبل الحياة.

إن الفساد سواء كان سببه تخلف الإدارة أو الكسب غير المشروع، أو الضائقة الاقتصادية التي تعانيها الفئات الأقل دخلاً، أو تداعيات الأزمة والغزو الإرهابي، يشكل عاملاً كابحاً لجميع خطط إعادة الإعمار في البلاد، لذلك نؤكد أهمية مكافحته بالتزامن مع إشراك ممثلي المواطنين وهيئات المجتمع المدني في القرارين السياسي والاقتصادي، على أساس دستور ديمقراطي، والقيام بحملات دائمة لتجفيف منابعه.. والتشهير برموزه.. لا عن طريق حملات مؤقتة في هذه المؤسسة أو تلك.

ونهمس في أذن من يُرجع أسباب الفساد إلى وجود قطاع عام اقتصادي، تمهيداً للتخلص منه، إن القطاع العام يزداد دوره الاقتصادي والاجتماعي حتى في الدول الرأسمالية.. الديمقراطية الكبرى، لذلك ابحثوا عن أسباب الفساد في التشريعات.. والقوانين.. والمكافحة المستمرة والشفافية، وكشف الغطاء عن عمليات الفساد غير المكتشفة حتى الآن، وتحسين الأوضاع المعيشية للفئات الأقل دخلاً.

* عضو جمعية العلوم الاقتصادية

بشار المنير

النور

19/ 02 / 2019

انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

مقالات مختارة