رأي الحزب

النشرة البريدية

تسجيل دخول محرر الموقع

مواقع صديقة

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

ارتفاع الأسعار سبباً رئيسياً للأمراض الاجتماعية (2)

سليمان أمين:

الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي مرت وتمر بها الدولة السورية على مدى سنوات، كان لها تأثير كبير جداً على المواطنين من كل النواحي الاجتماعية والنفسية، فيكفي أن نقارن العلاقات الاجتماعية وتعامل الناس معاً بين الماضي واليوم فنجد أنهم كانوا قبل الحرب أكثر تواضعاً وتقرباً واحتراماً للآخرين وعطفاً على الفقراء والمحتاجين، وهنا لا نشمل الجميع فالبعض مازال يعطي بكل محبة رغم كل الظروف القاهرة.

التفاوت والمسافة بين الطبقات الاجتماعية لم تكن واضحة أو موجودة ، ولكن موجة الغلاء وارتفاع كل المواد المتعلقة بمعيشة الإنسان التي اجتاحت المجتمع خلال سنوات الحرب، جعلت البعض من الأفراد والعائلات الميسورة الحال تحت تأثير المادة وحرصهم للمحافظة على مكتسباتهم المالية نتيجة تزايد الدخل، بسبب الطمع الجامح وعدم الحرص على التبرع والمساهمة في مد يد العون للآخرين، وهذا بسبب ارتفاع أسعار العملات الصعبة وسوق العقارات وغيره من الأسباب الكثيرة، كما أفرزت الحرب أيضاً طبقة جديدة من الأثرياء غير النظيفين مجتمعياً، صنعوا ثرواتهم بالتلاعب والسمسرة والتجارة غير النظيفة التي أثرت كثيراً على حياة المواطنين، كما تراجعت الطبقة الوسطى، ويمكننا القول اندثرت نتيجة الغلاء الفاحش، الذي تسبب أيضاً بزيادة عدد الأسر المدينة بشكل كبير في الدولة بعدما كانت هذه الظاهرة قبل عام 2011 أخف بكثير من الآن.

ارتفاع الأسعار سبب رئيسي للجرائم

عدم تمكن أفراد المجتمع من الحصول على كل الاحتياجات الضرورية لهم من خلال الدخل المعيشي، وعدم توفر مصدر رئيس للدخل يكفيهم ويسد كل احتياجاتهم، بسبب عدم مقدرتهم على شراء ما يحتاجونه، وذلك لارتفاع أسعار المواد الأساسية والضرورية للمعيشة، قاد البعض إلى طرق غير قانونية لتأمين دخل معيشتهم، وقد لاحظنا خلال سنوات مضت ارتفاع معدلات السرقة والجريمة والخطف والدعارة، إضافة إلى زيادة معدل المتسولين عن الحد الطبيعي، ومن أنواع الجرائم التي باتت واسعة الانتشار نذكر:

السرقة: وتعتبر من أبرز الآثار السلبية لظاهرة الغلاء، على اعتبار الغلاء ضمن العوامل الرئيسة المؤدية إلى انتشار ظاهرة السرقات التي يقدم عليها بعض المراهقين والشباب الذين يتوقون إلى إثبات أو تركيز أنفسهم في المجتمع.

التسول: ويقصد بها الاستجداء من الغير (الشحادة) ، نتيجة ظروف خارجية من البيئة العائلية أو الاجتماعية، تظهر في فترات الضيق الاقتصادي ومن أبرز الآثار السلبية لظاهرة الغلاء، فمعظم الدراسات التي أعدت في هذا الشأن أشارت إلى درجة عالية من الارتباط بين ارتفاع معدل التسول وحالة ارتفاع الأسعار في المنطقة.

 

بالنتيجة إن حالة العجز المادي تحدث خللاً في عملية التكيف (النفسي، الاجتماعي) للفرد مع مجتمعه، الأمر الذي يزيد من حالة الشعور الدائم بالفشل والإخفاق مما يدفع إلى العزلة وعدم الانتماء للمجتمع، وبهذا يصبح الفرد عرضة للإصابة بحالة الاكتئاب، التي تؤدي بالفرد إلى اللجوء لممارسة سلوكيات غير سوية، كوسيلة للخروج أو الهروب من معاناة الواقع ومواجهته، وقد شهد المجتمع السوري حالات كثيرة من الانتحار والعنف وغيرها انتشرت بين أوساط المراهقين والشبّان.

 

الانعكاس السلبي على المستوى النفسي

إن حالة العجز المادي عند المواطن وعدم قدرته على تلبية احتياجات أسرته تؤدي إلى عدم التوافق النفسي والاجتماعي إضافة إلى أن كثيراً من المواطنين اليوم يعانون من الاضطرابات النفسية والشخصية، فعلى سبيل المثال يتسم كثير من العاجزين مادياً بعدم السعادة وعدم الرضا والشعور بالعجز وعدم الكفاءة مما يؤدي إلى اعتلال في الصحة النفسية لديهم، وقد أكد المختصون في العلوم النفسية أن للغلاء وارتفاع الأسعار تأثيراً كبيراً على اعتلال الحالة النفسية عند الإنسان فضلاً عن أمور أخرى يمر بها المواطن السوري منذ سنوات غير الغلاء وليست الآن بصلب موضوعنا.

تظهر الضغوط المادية والنفسية والاقتصادية على الأفراد والأسر بسبب النزعة الاستهلاكية وبالتالي فإن زيادة حجم الإنفاق الاستهلاكي مع عدم توفر المال الكافي يجعل الفرد يلجأ للاستدانة من الأقارب والجيران وحتى المصارف والبنوك لسد احتياجاته، وازدياد شريحة الفقراء ومحدودي الدخل في المجتمع، وخاصة العمال الكادحين والفلاحين وأبنائهم غير الموظفين في المؤسسات الحكومية، وهذا أدى إلى تفاقم مشكلات الفقراء وزيادة المديونية الشخصية ووقوع الشريحة الكبرى في وحل الفقر المدقع والعوز والحاجة، وقد انعكست هذه الأوضاع المعيشية المتردية بشكل خطير على الأوضاع الأمنية والاجتماعية، وبالتالي أثرت سلباً على الأوضاع الاقتصادية والمناخات الاستثمارية.

فالتأثيرات السلبية المترتبة على ارتفاع الأسعار قد ساهمت في ضعف حركة النمو الاقتصادي في الدولة أو على الأقل أسهمت في بطئها، واليوم بلدنا بأمس الحاجة إلى تدخل عاجل من الجهات المسؤولة في الدولة لإيجاد حلول سريعة وعلاجية لخفض الأسعار وخفض سعر صرف العملات الذي يعتبر المعضلة الأساسية للغلاء، باعتبار أن الاستقرار الاجتماعي يمثل ضمانة لاقتصاد مزدهر عماده عجلة إنتاج سريعة الدوران، تديرها الأيدي العاملة المؤهلة والقادرة على الابتكار والتطوير.

إن سوء الأوضاع الاقتصادية لا يتأثر به الكبار فقط وإنما الأطفال كذلك، فالطفل الذي يجد نفسه في أسرة فقيرة ويعيش الحرمان المادي، قد يؤثر ذلك على اتجاهاته ومشاعره فينمو لديه الشعور بالحقد والكراهية ومشاعر النقص تجاه المجتمع، مما قد يساهم في خلق جو مناسب ومساعد على نمو الاتجاهات العدوانية والسلوك المنحرف، ودخول الأبناء إلى سوق العمل وتركهم الدراسة من أجل الحصول على فرص العمل.

ينعكس التأثير السلبي للغلاء على الصحة النفسية للفرد بالتأثير على الصحة الجسمية أيضاً، إذ إن الحالة النفسية والعزلة التي يعانيها كثير من المواطنين في توفير لقمة العيش أو توفير الاحتياجات الضرورية لأسرهم تكون سبباً للإصابة بكثير من الأمراض وحالة التعب والإرهاق البدني، ومن أهم مظاهر هذا الإرهاق التي تصاحب العاطلين عن العمل، الإصابة بالتهاب المفاصل، ارتفاع ضغط الدم، ارتفاع نسبة الكولسترول، التوتر الدائم، الانفعال والعصبية الزائدة، الحدة العصبية في التعامل، أمراض القلب أو الإصابة بالذبحة الصدرية، إضافة إلى معاناة سوء التغذية أو اكتساب عادات تغذية سيئة وغير صحية.

ختاماً

إن إشباع الجانب المادي للفرد يؤدي دوراً أساسياً في الحفاظ على التوازن والاستقرار النفسي لديه، إذ ترتبط هذه الوظائف بحالة الاستقرار المادي والعجز عند الفرد، لذا فإنه في حالة عدم قدرة الفرد على التكيف الاجتماعي فإنه يفتقد هذه الوظائف الأساسية على اعتبار أنه ليس هناك ما يدفعه أو يتطلب منه القيام بها، الأمر الذي يؤدي به إلى الشعور بعدم الانتماء والعزلة مما يحد من توافقه وتفاعله مع المجتمع.

 

النور

25/ 12 / 2018

انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

مقالات مختارة