رأي الحزب

النشرة البريدية

تسجيل دخول محرر الموقع

مواقع صديقة

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

الشباب أمانة في أعناقنا

سنوات قليلة وسيكمل حزبنا الشيوعي قرناً على تأسيسه، بما فيه من انتصارات وخيبات، انتشار جماهيري واسع وتقلص، صدامات وتحالفات وأحلام وانكسارات، لكنه في المحصلة قرن من شرف النضال الطويل العنيد والتضحية من أجل الإنسانية والوطن والكادحين، شرف النضال هو ثروتنا ورأسمالنا، ذهبنا وفضتنا وما نملك من رصيد.

الحزب كتعريف حسب الموسوعة السياسية: مجموعة من الناس ذوي المبادئ المشتركة يحاولون تحقيق الأهداف التي يؤمنون بها وفقاً لقواعد تنظيمية تحدد علاقاتهم وأسلوبهم ووسائلهم في العمل. وأضيف: (الأهداف التي يعجز الأفراد عن تحقيقها بإمكاناتهم الذاتية المحدودة). وقد تعمّدت تحديد هذه الإضافة رداً على النزعة الفردية التي ضخمتها ثقافة ما بعد الحداثة لتضع الفرد الموهوم مقابل الحزب: أنا = حزب = قرن من نضاله وربما أكبر، فما حاجتنا إليه في زمن الانفتاح؟

لا شك أننا جميعا قابلنا مصابين كثراً بمثل هذه الأعراض في نقاشاتنا، ويدل ذلك على الأثر البالغ للدعاية المناهضة للشيوعية في السلوك الاجتماعي، التي بدأت مع انتصار ثورة 1917 وتعاظمت خلال الحرب الباردة، واستفحلت في ظروف القطبية الواحدة والهيمنة الثقافية الأمريكية ولم تتوقف إلى يومنا، ومن تأثيراتها تناقص القاعدة الشعبية للحزب خلال العقود الثلاثة الماضية وضعف الحماس الشبابي للتحزب.

لكن ذلك ليس كل ما في الأمر، فالانشقاقات واهتمام الحزب بالمسائل ذات الأولوية وظروف النضال القاسية، إضافة إلى الالتزام بشروط وقف النشاط بين الطلاب، في ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية، وفوبيا العمل السياسي في المجتمع طوال عقود، قد شغل الحزب عن قضية إعداد كوادر موهوبة متخصصة في التعامل مع الشباب.

من ولدوا وكبروا خلال العقود الثلاثة الأخيرة لم يجدونا على الساحة السياسية، كانت الساحة تغص بالتيارات اللبرالية الجديدة والدينية المتطرفة، لم يتعرفوا على السعادة الغامرة التي تتملك مشاعر المناضل الشيوعي وهو يعمل مع رفاقه لرفع الظلم عن المقهورين والمسحوقين ولتقدم المجتمع وسيادة الوطن، لم يجدوا وطناً بل حدوداً مخترقة بأعراق وطوائف ومذاهب تنغلق على نفسها وتحتقن ثم تنفجر في صراع حضارات عبثي، لم يجدوا أنفسهم في طبقات اجتماعية وصراع طبقي، والمؤلفات الجديدة ذات العناوين البراقة والحوارات التي تبثها الفضائيات جميعها أرست في وعيهم صورة عن (مستحاثة متحجرة) تسمى الاشتراكية، هي إحدى (الشرور) التي سحقها (المخلّص) الأمريكي القادم لينظف كوكبنا مما بقي من شرور، وجدوا شعارات الحرية والديمقراطية مرفوعة على فوهات مدافع دباباته ومدمراته ولم يستهجنوا المشهد بكل تناقضاته الحادة، لأنهم قلّما سمعوا باستعمار وتبعية وانتهاك سيادة وحقوق دول سوى في بعض نشرات الأخبار المقيتة، أو ممن يعتبرونهم كهولاً محافظين متحصنين ضد الجديد، لم يستوعبوا تطورات عالمنا ولم يستسلموا لأمره الواقع.

أبناؤنا الشباب فتحوا أعينهم على عالم مرهون لنمط منحط من ثقافة أحادية شوهت التاريخ وقلبت حقائقه، ومن الصعب عليهم إدراك حقيقة أن شباناً مثلهم دربوا ومولوا من منظمات غير حكومية تابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية قد حقنوا وعيهم بمخدر الفرد المتميز والكفاءات الذاتية الخارقة، بهدف الوصول إلى عقم التأثير الشعبي المنظم وأي شكل لنشاط حزبي يعارض المظالم العميقة الحاصلة، رددوا على مسامعهم الكثير من الكلام عن الحزب كمفهوم تقليدي لنسق فكري مغلق، وعن احتكار الشيوعيين للحقيقة، وعن شبح ستالين وديكتاتورية العمال وتغير حاجات الناس الأساسية عن زمن ماركس، كثير من الكلام عن شرائح وأقليات وأكثريات وجماعات فرعية ومجتمع مدني، وكثير من الكلام عن استحالة المساواة بين البشر، وكل ما من شأنه إبعاد الشباب عن حزب يتناقض ويعيق ويجابه روح العولمة المتوحشة.

مع كل هذا الحصار وهذه الحرب النفسية الشرسة والصورة القاتمة التي أدت إليها، فإن حزبنا الشيوعي، الذي لم يعرف اليأس يوماً لديه كل الثقة والأمل بشبابنا وهم يكتشفون يوماً فيوماً نفاق مستغلي بؤسهم وآفاقهم المسدودة التي لم تفتح سوى على الفوضى الجحيمية العارمة والعنف المجاني لتكريس مشروع أمركة العالم.

إن فهمنا لحركة التاريخ وقوانين التطور وطريقة تفكيرنا الجدلي تمنحنا هذه الثقة بشبابنا الذين لا شك في أن كثيرين منهم مستعدون ويرغبون في صهر مصالحهم في المصلحة الوطنية والإنسانية العليا، والحزب الناهض من مخاض انهيار النظم الاشتراكية، الذي تمكن من إعادة بناء نفسه مستفيداً من تجربته السابقة، مجدداً تحليله للظرف التاريخي المعاصر، قادر على فتح آفاق التعامل مع الشباب، فهو مدرسة في اندماج الفرد الحر في المجموع الحر، بالتثقيف وتحرير الوعي وإنارة الرأي العام بالمعرفة الإنسانية وسبل التقدم والعمل لتحقيق العدالة الاجتماعية، مدرسة في محبة الوطن والدفاع عنه وحمايته من العدوان الخارجي والمؤامرات على سيادته، في محبة الناس وتحديد مشاكلهم الاجتماعية ووضع الحلول لمعالجتها، فهو الإطار التنظيمي السياسي الأكثر فعالية في مواجهة الصراعات والتحديات المفروضة، خلافاً لكل الأطر التي طرحت كبدائل وفشلت في إيجاد نوع أرقى من الحزب لتنظيم الحياة الاجتماعية لمصلحة الجماهير.

الشباب أمانة في أعناقنا يحتم واجبنا تسهيل مشاركتهم في الفعل السياسي، ووضع الخبرة النضالية المتواصلة منذ 94 عاما في متناول أياديهم، ورفعهم لاعتلاء مكانتهم الفعلية كصناع للتاريخ.

بولس سركو

النور

27/ 11 / 2018

انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

مقالات مختارة