رأي الحزب

النشرة البريدية

تسجيل دخول محرر الموقع

مواقع صديقة

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

حكاية القمح السوري

في روايته (القرن الأول بعد بياتريس) يحاول أمين المعلوف كشف الهدف من طرح دواءٍ في إفريقيا، يحدد جنس المولود، فيكثر الذكور، ونكتشف فيما بعد أن العملية ليست بريئةً، وأن الغاية من ذلك، ليست تحديد النسل في القارة المكتظة فقط، وإنما إفناء السكان الأصليين.

أما في سورية فقد حدث ما يشابه ذلك على الصعيد الزراعي فقد انتشرت مؤخراً فكرة أن هناك من يسرق بذور القمح السوري (المؤنثة)، ويحتفظ بها لأعوام قادمةً، بينما ينتج من خلالها بذوراً (مذكرة) لا تعطي إلا موسماً واحداً. وبالتالي يجري احتكار البذور التي يعاد بذرها، والمتاجرة بها، أي أن ذلك يتطابق مع فكرة الدواء المطروح في إفريقيا.

عندما قرأت رواية هاني الراهب (رسمت خطاً في الرمال) فوجئت بأفكار متشابهةٍ، حول القمح السوري، واستمراره منذ آلاف السنين، وتساءلت: إذا كان هاني باشر بالدعوة للحفاظ على هذا القمح منذ عشرات السنين حين يقول في روايته:

(هذه الحضارة يجب أن تعيش وتستمر:

خمسة آلاف عام  عمر هذا الخبز الشهي، هو الخبز نفسه الذي أكل منه جلجاميش وأنكيدو).

ترى، وبعد أن رأينا ما حدث في سورية على مدى سبع سنواتٍ عجافٍ من دمار وخراب وقتل، أما آن لنا أن نتساءل: أوليس لأمريكا أسباب تجعلها تغذي هذه الحرب؟ لأن ما تقوم به هو سرقةً موصوفةً وواضحةً لبذار القمح السوري.

وتبدأ المشكلة في تغيرات المناخ العالمي، فقد أدى ارتفاع درجات الحرارة إلى تدني إنتاج المحاصيل، وهدّد بانخفاض آخر قد يصل إلى 4% في العام. وبدأت الآفات والأمراض في قلب سلة الحبوب والأقماح الأمريكية بتتبع الظروف الحارة والجافة ودفعها نحو الشمال متغلبة على المبيدات الزراعية. يبحث العلماء إزاء ذلك عن مصادر للمقاومة الطبيعية وعثروا عليها في سورية في ثنايا الهلال الخصيب موقع ولادة الزراعة المدجنة.

يحتشد جمع من الذباب فوق 20000 بادرة قمح في أحد البيوت الزجاجية في ولاية كانساس، ليتلفها ويلحظ البحاثة نوعاً منها يسلم من التلف وهو العشب السوري القديم المعروف باسم القمحية – اجيلوبس تاوتشي، حيث توجد أحد أهم بنوك البذور في العالم في بلدة – تل حديا – على بعد حوالي 40 كيلومتر من مدينة حلب السورية، تحت إدارة المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا). تخصص المركز المرتبط بالأمم المتحدة في حفظ البذور وإجراء الأبحاث عليها في المناطق الجافة والحارة، وهي ظروف تواجه الكثير من مناطق زراعة الغذاء في العالم.

يقول البروفسور (منج شون تشين) أستاذ علم الحشرات الجزيئي في الجامعة إن يرقات الحشرة كانت تموت بفعل برودة الشتاء. ولكن ذلك البرد بدأ يتأخر خلال الموسم بحيث تنجو اليرقات وتتحول إلى ذباب. ويبدو استنفاذها للقمح أقرب إلى الخيال العلمي. فهي لا تمتلك اسناناً لذلك تحقن مادة ذات أساس بروتيني في النبات يحوله إلى سائل مغذي ولزج تستطيع امتصاصه وهضمه.

عمل تشين من تشرين الثاني إلى نهاية نيسان مع عالم النبات جيسي بولاند لإجراء سلسلة من التجارب التي كشفت في البيوت الزجاجية للجامعة عن فعالية دارونية قاسية: فقد زرعوا الأقماح التجارية الأمريكية بجانب مجموعة من الأعشاب البرية القريبة من القمح المأخوذة من خزنة البذور في سورية، إضافة إلى مجموعة عشوائية من البذور الأخرى. تنمو البادرات لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع بعدها تطلق عليها الحشرات. وكانت النتيجة واضحة للغاية: لم ينجُ إلا القمحية السورية.

تنمو القمحية التي لا تقهر بشكل بري على الهضاب المحيطة بتل حديا وحلب.

يقول بولاند ان تجارب ذبابة الهيسيانية التي انتهت مطلع شهر نيسان دعمت خطة جامعة كانساس لإدخال النباتات الناجية من هجوم الذباب في أصناف القمح التجارية الأمريكية. وبعد الانتهاء من التصنيف والموافقة الحكومية الملائمة ستوزع القمحية السورية على محطات إكثار البذور الأمريكية لتنتهي فيما بعد في حقول الغرب الأوسط الأمريكي.

 

تركيا تسرقنا!

 

لم تتوقف تركيا عن إثبات أطماعها المختلفة في الوطن السوري، وظهر ذلك جلياً خلال الحرب، إذ عمدت إلى احتلال مناطق واسعة من شمال سورية، لكن الأطماع لم تتوقف عند ذلك، بل وصل الأمر بالسلطات التركية إلى سرقة أجود أنواع القمح السوري، بذريعة خوفها على مصيره، فقد قامت السلطات التركية بالتعاون مع الهلال الأحمر القطَري بسرقة 17 صنفاً من أصناف القمح السوري وزراعتها ضمن مشروع خاص بهذه الأقماح، في المناطق المحاذية للحدود السورية، لتشابه خواص أراضيها الزراعية مع الأراضي السورية. وقال مدير المشروع التركي لوسائل الإعلام: جلبنا بواسطة الهلال الأحمر القطري 17 صنفاً من القمح المهدد بالاختفاء، بحسب زعمه، 9 منها خاصة لصناعة المعكرونة و8 للخبز. وأضاف المسؤول التركي إن سورية تحتضن قرابة 24 صنفاً من القمح، وأنه ستُجلَب بذور من بقية الأصناف في إطار المشروع ذاته.

ربيع ،2011 وقبل أن تبدأ الأحداث في سورية، كانت أهرامات أكياس القمح تملأ جانبي الطريق الواصل بين حلب والحسكة، ويقدر المختصون أن هذه الكميات الضخمة، كانت سنوية، وتعتبر المونة – أو المخزون الدائم من القمح – الذي يكفي لحوالي سبع سنين عجاف، إذا ما كان هناك موسمٌ جيد.

خريف ،2018 بعد ان انتهت عملياً الأحداث في سورية، قالت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) إن معدل إنتاج القمح في سورية بلغ أدنى مستوياته منذ 29 عاماً ولم يتجاوز2,1 مليون طن.

 

7/ 11 / 2018

سجيع قرقماز

النور







انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

مقالات مختارة