رأي الحزب

النشرة البريدية

تسجيل دخول محرر الموقع

مواقع صديقة

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

أين نضخّ الاستثمارات؟

إن أي اقتصاد ينقسم إلى عدة قطاعات، أهمها هو قطاع الاقتصاد الحقيقي، وهو القطاع الإنتاجي، الذي يتوقف على تطوره سائر القطاعات الأخرى، كقطاع الاقتصاد المالي، وقطاع الاقتصاد الخدمي وقطاع الاقتصاد التجاري. ولابد هنا، كي يبقى الاقتصاد في حالة من التوازن، من تحقيق توازن بين تلك القطاعات كلها.

إن المنطق الاقتصادي يؤكد أن القطاع الإنتاجي هو الذي يخلق القيم الإضافية الحقيقية بالدرجة الأولى، إنه القاعدة والركيزة التي يقوم عليها أي اقتصاد، وهو يشمل الصناعة والزراعة والبنية التحتية وغيرها.

وإذا ما أخذنا النتائج الاقتصادية والاجتماعية للحروب بالحسبان وما تخلق من دمار وتخريب، فإنه يمكننا القول إن إعادة بناء القطاع الحقيقي هي الأولوية التي لا بديل عنها.

لقد دمرت الحرب في سورية البنية الصناعية والتحتية بمختلف أنواعها، وأصبح الاقتصاد السوري بحاجة ماسة إلى إعادة تلك البنية، ومع أفول الحرب وبدء ظهور ملامح التعافي الاقتصادي، لابد من إعادة التركيز على القطاع الاقتصادي الحقيقي وتحديداً قطاعي الصناعة والزراعة. إلا أن الذي حدث ويحدث هو العكس تماماً، فقد اتجهت رؤوس الأموال الخاصة في معظمها إلى الاستثمارات في القطاعات الخدمية والتجارية، كالتجارة الخارجية أو الداخلية والمطاعم والمولات وتجارة السيارات وغيرها. كما وُظف قسم آخر منها في عمليات التهريب والاقتصاد غير المنظم أيضاً.

ويبدو من السهل على المستثمرين السوريين الجدد، أي حديثي الثروة والسابقين منهم، إعادة ضخ أموالهم في قطاع الخدمات بدلاً من استثمارها في الصناعة والإنتاج، فدورة الرأسمال في هذا القطاع أسرع والربح أكبر، والمخاطرة أقل. ومع ظهور فئة من أثرياء الحرب الجدد بثرواتهم مشبوهة المصدر، فقد زادت تلك الظاهرة ازدياداً كبيراً، فهؤلاء الأثرياء لا خبرة ولا تاريخ استثمارياً لهم، وكل ما يريدونه هو تضخيم ثرواتهم بأسرع طرق ممكنة. وأسرع الطرق الممكنة في ظروف ما بعد الحرب هو قطاع اقتصاد الخدمات، لا قطاع الإنتاج الذي يتطلب خبرة وصبراً في الاستثمار، الأمر الذي يفتقده حديثو الثروة تحديداً.

لقد قلبت الحرب موازين الثروة الاجتماعية في سورية، فالكثير من الصناعيين ورجال الأعمال العريقين في هذا الاقتصاد، إما أنهم قد أفلسوا نهائياً، وخسروا ثرواتهم كلها بسبب خسائرهم لمنشآتهم الصناعية بما فيها، وإما أنهم غادروا بثرواتهم خارج البلاد ولم يعودوا وربما لن يعودوا، في الوقت الذي أفرزت فيه الحرب أثرياء جدد يفتقدون تماماً إلى ثقافة الاستثمار وتنمية الثروة بالإنتاج، ويعمل القسم الأكبر منهم على تكديس الثروة المجمّعة لديهم في المصارف من دون إعادة تدويرها. وقد دخل قسم كبير من هؤلاء الأثرياء الجدد في حالة محمومة من الإنفاق التفاخري الاجتماعي لتحقيق الذات الاقتصادية والفردية. ولإثبات أنهم أثرياء المجتمع وقادته الاقتصاديون، لكنهم في الحقيقة هم من المساهمين الجدد في تخريب التنمية الحقيقية وإفسادها، فالثروة التي يبنيها الخراب لن تبني اقتصاداً.

الاقتصاد السوري في أمسّ الحاجة إلى الاستثمار في قطاع الاقتصاد الحقيقي، كي ينهض، وتحديداً الصناعي والزراعي منه، وهو في أمسّ الحاجة أيضاً إلى إحياء العقل الاستثماري التنموي، سواء عند القطاع الخاص أو عند القطاع العام أيضاً، ولكن بطرق ابتكارية متجددة، لأن هذا العقل هو الوحيد القادر على انتشال سورية من دوامتها الاقتصادية القادمة، وهو الوحيد القادر على خلق تنمية وطنية شاملة، فلا تنمية مستقبلية من دون تصنيع حقيقي وبنية تحتية إنشائية حقيقية.. وكل ما تبقى بعد ذلك هو تحصيل حاصل، ومن واجب السياسة الاقتصادية الحكومية أن تلعب الدور الأكبر في عملية إحياء ذلك العقل التنموي، فمصلحة الحكومة لا تقل أهمية عن مصلحة المستثمرين والمواطنين في إعادة ضخ الاستثمارات في القطاع الحقيقي.

إن أمام الحكومة فرصة تنموية جديدة يجب عليها أن تستثمرها بصورة بناءة ومسؤولة تجاه شعبها.

23/ 10 / 2018

النور



انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

مقالات مختارة