رأي الحزب

النشرة البريدية

تسجيل دخول محرر الموقع

مواقع صديقة

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

اقتصاد الفساد

يرى (أنجلز) أن: الدولة ليست سلطة مفروضة على المجتمع من الأعلى، وإنما هي ثمرة المجتمع ذاته في مرحلة معينة من تطوره.

والدولة بالمعنى الحديث هي شكل من أشكال النُظم السياسية التي لها هيكل مستقل للسلطة السياسية (كيوكاس)، فهي تتكون من منظومة من الهياكل الاجتماعية والسياسية (واتس)، التي تمتلك حقوقاً وسيادةً متأصلتين تمنحها سيادة على إقرار شؤونها الاقتصادية وحتى القضائية بنفسها (دريك).

نشأ القطاع العام في سورية مع بداية الاستقلال، على شكل نطاق محدود وضيق متناسباً مع الطبيعة الطبقية التقليدية في المجتمع السوري والتي قادت فيها البرجوازية الدمشقية والحلبية دور الدولة الاقتصادي وشكلها الليبرالي. لاحقاً مع نهاية الخمسينيات بدأ يتوسع القطاع العام نتيجة بروز دور الفئات التي تحمل إيديولوجيات ذات طابع قومي واشتراكي، والتي تأثرت بالتجربة الاشتراكية لعدد من دول العالم. في عام 1963 ومع استلام حزب البعث العربي الاشتراكي السلطة في سورية تقدم دور القطاع العام أكثر فأكثر، وبعد التأميم عامي 1964 و1965 طغى هذا القطاع على سورية، ليبلغ ذروته خلال عقد السبعينيات نتيجة جملة من الظروف المحلية والإقليمية. لكن مع بدء أحداث الإخوان المسلمين العنفية نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، بدأ هذا القطاع بالانكماش، وبوادر حضور مشكلات بنيوية زادت عمقاً ووضوحاً بشكل تدريجي، ولم تستطع الحكومات السورية المتعاقبة حلها. وقد ضغطت هذه المشاكل بشكل متزايد على قناعة متخذي القرار في الدولة السورية إلى إعادة النظر في موقع القطاع العام في الاقتصاد السوري ومصيره.

هكذا وعقب نهاية حرب الخليج الأولى ومع وصول الغزل الأمريكي السوري إلى ذروته! وزيادة تدفق المساعدات الخليجية على دمشق؟ دخل النظام السياسي على خط الاقتصاد وسعى بشكل جدي نحو تقليص القطاع العام حجماً وتفتيته داخلياً عبر نظام التعيينات المؤدلج وتساوي أو تقدم أمناء الفروع الحزبية على المديرين أو رؤساء الشركات أو المؤسسات العامة، ما أدى بدوره إلى مشكلات تنظيمية وإدارية عميقة، وتراجع دور وأهمية القطاع العام، خصوصاً في مجالي الصناعة والتجارة الداخلية، لدرجة أن أحد الاقتصاديين سماها خصخصة بدون تخصيص. وتشير بيانات الحكومية إلى اتساع الفجوة بين الاستيراد والتصدير لصالح الاستيراد، فقد ارتفع العجز في الميزان التجاري من 7,91 مليارات ليرة عام 1980 إلى 9,94 مليارات عام 1988. وتراجعت مساهمة القطاع العام في الناتج المحلي الإجمالي من 43,6% عام 1985 إلى 4,31% عام 1999. كما تراجع نصيب القطاع العام من مجمل الناتج المحلي (بكلفة عوامل الإنتاج والأسعار الجارية) من 39% عام 1985 إلى 9% عام ،1999 ومن حيث المساهمة في الإنتاج كان نصيب القطاع العام من الإنتاج الصناعي 78% عام 1985 وتناقص إلى 65% عام 1999.

يمكن القول إنه حتى عام 1985 بلغت سيطرة القطاع العام أوجها وشملت مختلف مجالات الحياة الاقتصادية في سورية، إذ بلغت مساهمة القطاع العام في التكوين الرأسمالي 13,265 مليار ليرة مشكلاً 66% من إجمالي التكوين الرأسمالي على المستوى الوطني. ومنذ عام 1991 تراجع القطاع العام، على حساب نشاط القطاع الخاص الذي مُنح بعض الامتيازات، التي حُجبت عن القطاع العام، وتفاقمت عملياً معاناة القطاع العام مع تطور البيروقراطية وغرقه في الفساد وتحول هذه الظاهرة إلى ثقافة اجتماعية، ما سبّب المنافسة غير المتكافئة مع القطاع الخاص، الذي بدأ لاحقاً ومنذ دخول تكنولوجيا الاتصالات بالتحكم بشكل أو بآخر حتى في التوجهات الاقتصادية العامة للدولة، بما فيها الضغط التشريعي نحو تشريع التسهيلات للقطاع الخاص في مقابل طرح مصير شركات القطاع العام، ووقوع اعلى مراكز السلطة التشريعية بشكل أو بآخر تحت تأثير أو في فلك اسياد القطاع الخاص في سورية.

يمكن إطلاق مصطلح (اقتصاد الفساد) على النمط الاقتصادي السوري بين الفترة التي دخلت فيها تكنولوجيا الاتصالات وحتى عام 2011 إذ تميزت هذه الفترة بشرعنة الاقتصاد الخاص عبر انتقائية القرار الاقتصادي، بمعنى أن اتجاه التشريع -وفي غياب تطوير الأطر القانونية- كان يسير باتجاه الاستجابة لشخصيات معينة وليخدم أغراضاً محددة، إضافة إلى احتكار القرارات الاقتصادية من قبل مجموعة من الاقتصاديين الحكوميين بعيداً عن الشفافية والمساءلة، ومع اضمحلال الحيوية البرلمانية وحرية التعبير تم تكريس هذا النمط تحت بروباغندا إعلامية رسمية معنونة بشعار (التعددية الاقتصادية) و(اقتصاد السوق الاجتماعي). وفي الحقيقة فإن الاتجاه العام للاقتصاد السوري بدأ يتوافق مع تطلعات البرجوازية الحديثة الناشئة عن عقدين من الفساد، وبغياب تام للعملية الديمقراطية، وهذه البرجوازية هي في قسم كبير منها شريحة فاسدة وفوق القانون، تكونت بشكل اساسي من مسؤولين سابقين في القطاع العام أو ابنائهم أو تجار يرتبطون معهم، أو شخصيات عامة يحملون حيثية اجتماعية معينة. ونعتقد أنه في مرحلة غياب العملية الديمقراطية وتقييد الصحافة التي مرت بها سورية انتهزت هذه الشريحة الفاسدة الفرصة و(أطبقت) على الاقتصاد السوري، فهي وحدها تقريباً يملك رأس المال، بالتالي من البديهي أن تهيمن على السوق بكل تحمله هذه الهيمنة من تداعيات كارثية على العدالة الاجتماعية ونصيب الفرد والرفاه الاجتماعي، وهي كانت بشكل أو بآخر أحد مسببات اندلاع الأزمة السورية عام 2011.

انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

مقالات مختارة