رأي الحزب

النشرة البريدية

تسجيل دخول محرر الموقع

مواقع صديقة

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

هل اليسار السوري "عاقر" إلى هذه الدرجة؟

عن دور (اليسار) في الأزمة السورية- هو عنوان المقال الذي نشره الرفيق مهند دليقان في جريدة (النداء) اللبنانية العدد 338 كما في صحيفة (قاسيون) الإلكترونية السورية.

#العدد821
#جريدة_النور
#بقلم_طلال_إمام

بداية لا أدري ما إن كان وضع تعبير اليسار بين قوسين سهواً أم قصداً؟
أودّ أن أشكر الرفيق مهند على إثارته موضوع اليسار السوري خاصة في الظروف التي تمر بها البلد، وفي ظل التجاذبات السياسية التي أفرزتها الأزمة، على أمل أن يحفز على الحوار بين مختلف قوى اليسار كي تستعيد دورها المنوط بها وتعود الجماهير إليها.
يمكن القول دون عناء إن وضع اليسار السوري حالياً لا يسرّ، إذ يعاني من الانقسامات، التشرذم، الادعاء باحتكار الحقيقة وتقاذف اتهامات تصل أحياناً إلى حدّ التخوين. أبادر إلى القول إن الحديث لا يدور أبداً عن وحدة تنظيمية بين مختلف فصائل اليسار السوري في تنظيم واحد، وإنما عن الاتفاق على برنامج الحد الأدنى المطلوب في هذه المرحلة، لإخراج الوطن من محنته، ومن أجل سورية علمانية، ديموقراطية خالية من الفساد وعادلة في توزيع الثروة الوطنية.
بقدر ما أثار المقال جملة من الأفكار التي تستحق التقدير على الجهد الذي بذله الكاتب، فإنه أثار تساؤلات تحتاج إلى متابعة الحوار والتعمق، وسأدلي بدلوي فيها لأني أهتم بمسألة اليسار عموماً والسوري بشكل خاص، على أن يتسع لها صدر رفيقي مهند، كما عوّدنا.
يتناول المقال عناوين رئيسية منها: ظهور مفهوم اليسار وتطوره تاريخياً، اليسار الاسمي واليسار الفعلي، حزب الإرادة الشعبية والأزمة السورية الذي تضمّن مواقف الحزب من الحراك، تحالفاته مع مختلف القوى عبر سنوات عمر أزمة الوطن، موقفه من جنيف، سوتشي وأستانا ...
أعتقد أن كل عنوان يحتاج إلى وقفة خاصة وحوار، وهو ما لا يستطيع مقال واحد أن يتناولها ويعطيها حقها تماماً. لكن كما ذكرت آنفا الشكر للكاتب لإثارة هذه العناوين على أمل أن تحفز الحوار.
سوف أتوقف عند بعضها.

أولاً- يحاول الكاتب أن يحدد من هو اليسار في الظروف الراهنة، فدخل في لعبة المصطلحات على حساب الإيديولوجيا والموقف الطبقي عبر تقسيم اليسار بين يسار اسمي ويسار فعلي، فوصل الى خلطة عجيبة توحي وكأن التيارات الدينية يمكن أن تكون (يمين اسمي ويسار فعلي)! حسناً، ما دام المقال يتحدث عن اليسار السوري تحديداً، كنت أتمنى أن يحدد بالاسم تلك القوى الدينية اليمينية بالاسم واليسارية بالفعل، هل المقصود الإخوان المسلمون، داعش، النصرة، أحرار الشام، أو...؟
أما إذا كان المقصود أفراداً متنورين في تلك التيارات، وهم قلة جداً وليس لهم أي تأثير ملموس ضمن التيارات الدينية، يصبح من الممكن فهم ما جاء في المقالة، لكن كان لابد الإشارة إلى ذلك بوضوح منعاً للالتباس. أعتقد أن مفهوم اليسار يشمل: الشيوعيين، الماركسيين، الديموقراطيين، العلمانيين، نشطاء حركات السلم والبيئة، القوى التي تقف ضد الإمبريالية والنيوليبرالية، الحركات النسوية، المثقفين والمفكرين سواء كانت أحزاباً، هيئات أم أفراداً).

ثانيا - يحق لحزب الإرادة الشعبية، كما لأي قوة سياسية أن يحدد سياسته من الأوضاع الوطنية، الإقليمية والعالمية انطلاقاً من قناعته الفكرية الإيديولوجية، كما يحق له إقامة التحالفات التي يريد مع قوى أخرى. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن سياسة أي حزب تصبح ملكاً للناس عندما يطرحها علناً، بالتالي من حق الجميع إبداء الرأي بتلك السياسة وانتقادها وبيان مدى صحتها أو خطئها.
من هذا المنطلق لفت انتباهي بعض الأفكار الواردة في المقال، فقد جاء مثلاً:
(رفض الحزب العمل العسكري من اللحظة الأولى، واعتبره باباً من أبواب جهنم، يخدم في أن معاً الفاسدين الكبار وتجار الحروب في الطرفين، ويبعد إمكانيات التغيير الجذري ويقرّب إمكانيات تقسيم البلد وتقاسمها بين أمراء الحرب. رغم ذلك، فإنه لم يقطع نهائياً مع من حملوا السلاح على الجانب المعارض، بل أكد أن قسماً مهماً منهم قد حمل السلاح بنوايا صادقة، واستمر في الحوار معهم، وطالب بضرورة التمييز بين أصناف المسلحين، بين من هم أبناء البلد وبين الأجانب من جهة، وبين العمل المسلح العفوي وبين ذاك المدعوم من الخارج من جهة ثانية، وبين هذين وبين العمل الإرهابي).
السؤال أو الاسئلة التي تفرض نفسها هنا: من هو المسلح الذي حمل السلاح بنوايا صادقة؟ ضد من حمله؟ ضد جيش وطنه وأبناء بلده على أساس طائفي أو إثني؟ هل لدى من يقوم بتدمير البنى التحتية لوطنه نواياه صادقة؟ هل هناك عمل مسلح عفوي؟ عن أي عمل مسلح عفوي يجري الحديث، عندما يملك هذا العفوي أسلحة متوسطة وثقيلة ومدعوم من دول معروفة (تركيا، السعودية، دول الخليج أمريكا ودوَل أوربية) لا تخفي دعمها له كما تغدق عليه أموالاً طائلة (الجيش الحر مثالاً)؟ إذا كنّا لا نسمّي الذبح، الخطف، اكل الأكباد وتدمير البلد إرهاباً، فماذا نسميه؟ هل هذا هو العمل العفوي المسلح، هل من قام بذلك حمل السلاح بنوايا صادقة؟
ثانيا - جاء في المقالة تحت بند الإرهاب: (لم يقع الحزب في فخ التوصيفات السهلة لظاهرة الإرهاب المتمثل في داعش أو النصرة أو أشباههما؛ أي أنّه لم يدخل في حالة العماء (العلمانية) التي وصفت هذا الإرهاب بوصفه ظاهرة إسلامية بحتة...).
المرة الوحيدة التي ورد فيها مصطلح العلمانية في المادة حمل معنى سلبياً؟ ثم من هي القوى العلمانية العمياء التي وصفت إرهاب داعش أو النصرة بأنه ظاهرة إسلامية بحتة؟؟ حسناً ما هو موقف القوى العلمانية (المفتحة) ومن هي؟ على حد علمي إن القوى العلمانية في سورية وخارجها لم تلصقه بالإسلام فقط. ثم لا يمكن بحث الإرهاب: أسبابه، تجلياته، قواه، من يدعمه بهذه العجالة أو ببضع كلمات. الإرهاب في سورية مثلاً اختبأ وراء شعارات التطرف الديني والطائفية، علماً أن هدفه هو تدمير بنية الدولة السورية بدعم إقليمي وعالمي وتفتيتها على أسس عشائرية، دينية وطائفية (مثال العراق).

ثالثاً- تحالفات حزب الإرادة الشعبية
اؤكد ثانية حق أي حزب في إقامة التحالفات التي يراها انطلاقاً من قناعته السياسية ومرجعيته الفكرية، ومن حق الناس إبداء رأيهم في مواقف هذا الحزب أو ذاك...لأنه بعد طرح سياسة ما وممارستها علناً يصبح من حق الناس تقويمها.
من جهتي أتقاطع مع كثير من مواقف الرفاق في حزب الإرادة الشعبية، وأكنّ لمناضليه كل الاحترام. وإذا كنت أطرح بعض التساؤلات فذلك من منطلق الاحترام والتاريخ المشترك معتمداً على سعة صدره في الحوار من أجل أهداف مشتركة.
جاء في المقالة عند الحديث عن تحالفات حزب الإرادة الشعبية:
(دخل الحزب ضمن تحالف جبهة التغيير والتحرير خلال السنة الأولى من الأزمة، وهو تحالف تغيّرت بعض قواه مع مراحل الأزمة المختلفة، لكنه حافظ على نواته الصلبة بالمعنى التنظيمي والفكري، وجرى تعزيزه مع الوقت وصولاً لتشكيل منصة موسكو. اشتركت الجبهة في لقاء تموز التشاوري، وبعد ذلك شاركت على أساس ائتلافي لمدة سنة تقريباً ضمن حكومة ائتلافية شكّلها النظام، وكان الهدف الأساسي هو الدفع نحو الحل وإحداث الفرز الضروري الطبقي ضمن (الموالاة والمعارضة) بعيداً عن التصنيف والانقسام الجاهز بينهما، والذي لا علاقة له بالانقسام الطبقي، بل هو انقسام عمودي بين(رعية) و(رعية) ... الخروج من الحكومة، جاء بعد انغلاق أفق هذه المحاولة التي وبرغم كلّ شيء قد حققت للحزب انتشاراً واسعاً في أوساط كان انتشاره ضعيفاً ضمنها أو غير موجود نهائياً).
إن ما جاء أعلاه يحتاج إلى وقفات عند كل مرحلة وإلى نقاشات جادة، إذ لا يمكن في بضعة أسطر الحديث عن تحالفات ثم الخروج منها بهذه العجالة، إذا كنّا نريد من المتابعين فهم أسباب التحالف أو مغادرته... مثلاً كيف يمكن فهم الدخول في حكومة ائتلافية شكلها النظام والخروج منها بهذه السرعة ولماذا؟ بسبب انغلاق أفق محاولة إحداث فرز طبقي ضمن الموالاة والمعارضة؟! هذا يعني أحد أمرين، إما أن الحزب ليس لديه صورة كافية عن قوى النظام والمعارضة ومواقفهم الطبقية، أو أنه بالغ في قوته الذاتية وقدرته في إحداث الفرز الطبقي المنشود؟
كما جاء في المقالة: (لإغلاق الباب أمام التبارز الإعلامي الهدّام بين النظام وبين وفد الهيئة العليا للمفاوضات (الائتلاف)، قبلت منصة موسكو بتشكيل هيئة تفاوض من المنصات الثلاث لتشكيل وفد واحد للمعارضة لدفع عملية جنيف قدماً، لكن ظهر في الواقع العملي أن هذه المسألة وحدها غير كافية، لذلك كان لا بد لعلمية أستانا أن تتابع طريقها).
اسئلة كثيرة تطرح هنا تحتاج إلى توضيح مثلاً، قبل الدخول في أي تحالف أو تعاون حتى ولو مؤقتا مع قوة أو قوى أو حتى شخصيات سياسية، يجب معرفة هذه القوى، برنامجها، مرجعيتها الفكرية، ارتباطاتها وأهدافها البعيدة أو القريبة.
الحديث يدور عن الائتلاف الذي يسيطر عليه، كما هو معروف، أساساً الإخوان المسلمون المدعومون من السعودية، تركيا أمريكا. إن تركيبة الائتلاف هذه هي التي كما جاء في المقالة أظهرت في الواقع العملي أنها غير كافية لتحقيق الهدف من تشكيل الهيئة العليا للمفاوضات... إذاً لماذا الذهاب إلى السعودية منذ البداية؟
وهو أمر كان كثيرون ومازالوا يعيبونه على من كان يوماً محسوباً على اليسار (ميشيل كيلو أو جورج صبرا وسواهم).
لماذا توقفت كثيراً عند نقطة التحالفات؟
أعدت مرات قراءة المقالة من اجل إيجاد ذكر لأية قوة أو قوى أو شخصيات يسارية سورية...لم أجد؟ وهذا يبعث على الحيرة والتساؤل: أين اليسار السوري؟ يمكن لمن يريد ودون صعوبة أن يجد الكثير من اليساريين السوريين موزعين على أحزاب، قوى، تجمعات أو شخصيات مستقلة: شيوعيون بمختلف تسمياتهم، قوميون سوريون، بعثيون، شخصيات قومية من مختلف الطيف السوري (أكراد، سريان أرمن أو شركس). السؤال المحير كيف يمكن إيجاد قواسم مع الائتلاف ولا يجدها عند رفاق أو حلفاء الأمس القريب والبعيد؟ لا يمكن لأية قوة أو حزب وحده احتكار تمثيل اليسار. إن المرحلة التي تمر بها سورية تتطلب منا جميعاً، كيساريين، البحث عن قواسم مشتركة وهي كثيرة بيننا، العمل من أجل برنامج الحد الأدنى لخروج الوطن من أزمته، وقف جميع أشكال التجاذبات والاتهامات المباشرة وغير المباشرة بين قوى اليسار السورية وخاصة تلك التي تسيء لنضال هذه القوى وتاريخها.
تملك مختلف فصائل اليسار إرثاً مجيداً من النضال ضد الإمبريالية، والاستعمار، ومن اجل العدالة في توزيع الثروة الوطنية، وضد الديكتاتوريات، من أجل علمانية المجتمع وديموقراطيته وقدمت في سبيل ذلك تضحيات جساماً.
من إفرازات الأزمة السورية الراهنة طغيان ظواهر صوتية أو مروجة إعلامياً على الساحة الوطنية لكنها مظاهر عابرة ستختفي بسرعة كما برزت بسرعة.
شكراً مرة أخرى للرفيق مهند على مقالته التي آمل أن تفتح الطريق نحو حوار بين اليسار السوري والمهتمين من أجل سورية تليق بنضالات السوريين وتضحياتهم.
وشكراً لصحيفتي (النداء) و(قاسيون).
اخيراً لا أعتقد أن اليسار السوري أصبح (عاقراً) لهذه الدرجة...متفائلون تفاؤل الثوار دون أوهام، الأزمة عند النيوليبرالية بمختلف تجلياتها....عالم جديد متعدد الأقطاب يشق طريقه وإن بصعوبة... المهم عدم إضاعة البوصلة.

انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

مقالات مختارة