رأي الحزب

النشرة البريدية

تسجيل دخول محرر الموقع

مواقع صديقة

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

في العام السبعين لاستقلال سـورية (2 من 2)......مازالت الأولوية للمسألة الوطنية..

بيد أن سورية ذهبت أبعد في تطورِها، فجر الاستقلال، فقد عاشت تجربةَ أوليّةً للحكمٍ الديمقراطيٍ، في واحدة من أهمّ فترات تاريخها، ما بين عامي 1954-1958..ربما لا يعرف كثيرون من أبناء الأجيال الشابّة أن رئيس الحكومة المُكلّفة بإجراء الانتخابات، ربيع ،1954 لم ينجح في الدورة الأولى من تلك الانتخابات. ولكن سعيد الغزّي، برسوبه فيها، نجح في امتحانٍ، لم يتكرر، للديمقراطية الفتيّة.

وفي تلك السنوات خاضت مدينتا دمشق وحمص ثلاثَة انتخابات تكميلية نزيهة، لم يفز فيها ممثلو التيار الإسلامي السياسي..بل شهدت البلاد، لأولِّ مرةٍ، في إحدى الدول الفتية، تشكيلَ تجمعٍ سياسيٍ برلماني، يضمُّ قوىً من اليسار والوسط وجزءاً من اليمين، هو التجمع القومي، السابق لتجربة الجبهة الوطنية التقدمية، ولكنه أوسع تمثيلاً سياسياً، فقد ضمّ أحزاباً وشخصياتٍ يسارية وأخرى تمثّل البرجوازية الناشئة وحتى من أوساطٍ اقطاعية. كان التجمع دليلَ وعي الشعب السوري وطبقته السياسية، آنذاك، فقد تطلبت المرحلة وحدةً وطنيةً قوية..توقعنا أن الدولة الديمقراطية أكثر قدرةً على النمو والتطور، بيد أن التطورات التي أجهزت على التجربة توحي بأن وعياً سياسياً أعمق، لدى مواطنيها، يجب توفّرُه لترسيخ مفهوم الدولة ودورها. كان لدينا بُنى كثيرة تنتمي إلى ما قبل الدولة، بنى تشاجرت مع أخرى جديدة أكثر ثقافةً وحيويةً، لكن طروحها بقيت طفولية، معتقدة أن المطلوب هو إنجاز خطوات اجتماعية سريعة وجذرية كالتأميم، وقومية كتحقيق الوحدة العربية، من قبل دولةٍ مازالت قيد التأسيس...

المحاولة التوحيدية العربية الأولى في الزمن الحديث

قامت الوحدة مع مصر، في شباط 1958. غابت سورية كدولة، وأصبحت إقليماً شمالياً في الجمهورية العربية المتحدة. كان تطوراً ذا آثارٍ متناقضة على المسار اللاحق للدولة السورية. لم يكن مشروع الوحدة ناضجاً وإنماً جاء عاطفياً وانفعالياً. لا يحتاج نجاح مشروع الوحدة إلى إلغاء تمايز المكتسبات السياسية للمجتمعات الداخلة فيه، وإنما تعميم ما هو أكثر تقدماً في أحدِها إلى المجتمعات الأخرى..فشلت التجربة، واقعياً، ليس بسببِ المؤامرة، وإنما بسبب التسرّع في الذهاب إلى وحدةٍ اندماجية كاملة، قبل أن تتوفرَ شروطُها الموضوعية، وأيضاً بسبب الإدارة المصرية التي تعاملت مع المواطنين والقادة السوريين بروحٍ إلغائية. ثم فشلت جميع التجارب التوحيدية اللاحقة، وخفّ ألق الفكر القومي، كما اليساري الماركسي، بعد انهيار التجربة الاشتراكية العالمية الأولى، وتنامت فرص الإسلام السياسي، بما فيه الأكثر دمويةً...كان هذا مَعلماً طبعَ العلاقةَ بين الجوانب الوطنية والقومية والاجتماعية، وأثّر في السِمات اللاحقة لتطور المسألة الوطنية..

تاريخ الإسلام السياسي

يمكن المقارنة بين الحالة العاطفية التي سادت أواخر الخمسينيات تجاه الوحدة، وتلك التي سادت، أوائل عام ،2011 بالارتباط مع الحاجة إلى التطور الديمقراطي. كان جيل الشباب من مواطنينا متحمساً لقضيتي الحرية والكرامة، قلقاً على مستقبله، وهي قضايا عادلة. ولكن التيار الإسلامي السياسي المتعطّش، منذ نشأته، لاستلام السلطة، بأي ثمن، سرعان ما اجتاح الحراك وغيّر طابعَه السلمي، معتمِداً، بشكلٍ معلن، على دعم دولٍ راغبةٍ في توسيع الرقعة الإسلامية السياسية في المنطقة. ولم تتوفر قوى وشخصيات دينية معتدلة كافية لتسهم في منع التحول نحو العسكرة. كان الراغبون به أكبرَ نفوذاً..بالمقابل، لم يتوفر السلوك الهادئ، طويل النفس، المعتمد على التمييز بين ما ينبغي تلبيته من مطالب مطروحة، وما ينبغي التصدي له. حاول العديد من أبناء جيلنا تقديمَ مقترحاتٍ للحكومة، كما لبعض المعارضين، ممن كنا نتوقع أنه يدرك، مثلنا، أن الأمور ذاهبةٌ إلى جهنم، إذا لم يتوقف التطور النزق للأحداث. كنا أضعف مما يحتاجه البقاء في حراكٍ بنّاء، فأمسينا حيث نحن...

العامل الدولي في الأزمة

أصبح المؤثرون الدوليون في الوضع السوري الراهن، أكثر إدراكاً لضرورة حلٍّ سياسي يبقي الدولة ومؤسساتها ويحوّلها إلى دولة المجتمع والمواطن، وهو جوهر المسألة الوطنية..لا يمكن تقسيم العالمَ بين دولٍ ملائكية وأخرى شيطانية. إن وجود دولٍ مختلفة يعني وجود مصالح مختلفة، بيد أنها يمكن أن تتلاقى أو أن لا تتعارض إلى حدود الصدام. والساسة الناجحون هم هؤلاء الذين يتقنون الدفاع عن مصالح بلادهم، مع أقل ما يمكن من التعارض مع مصالح الدول الأخرى التي يحتاجون إلى التعايش معها..إن فكرة العدو الثابت، المستندة إلى إيديولوجيات وعقائد معينة، هي فكرة ضارّة وعقيمة..يشكّل الحدّ المتوفر من التوافق الروسي الأمريكي بيئةً سياسيةً ضرورية لتنفيذ القرار 2254. يفيدنا أن نتذكّر أن مثل هذا التوافق خدم، تاريخياً، وعلى الأغلب، مصالحَنا الوطنية. لقد استقلت سورية بفضل رفض شعبها للانتداب، ولكن أيضاً بسبب التوافق السوفياتي(الروسي فيما بعد) الأمريكي، في حينه. وهو الذى ساهم في التوصل إلى حلٍّ لأزمة السلاح الكيميائي السوري، والملف النووي الإيراني. وعندما حصل الاعتداء الثلاثي على مصر عام ،1956 كان الموقف السوفياتي الأمريكي الرافض له، في أساس القرار الدولي الذي ألزمَ بريطانيا وفرنسا واسرائيل بالانسحاب منها..لنتذكر، أيضاً، أن أفضل ما توصّلنا إليه في المفاوضات مع إسرائيل، من أجل تحرير الجولان، تحقّق برعاية أمريكية، في التسعينيات ومطلع الألفية الثانية. ورغم إفشال إسرائيل تلك المفاوضات، فإن الكثير مما أمكن الاتفاق عليه، خلالها، لا يمكن تجاهله مستقبلاً..أما العلاقة السورية السوفياتية، ثم الروسية، التي لم تشتبك، تاريخياً، مع سيادتنا الوطنية، فهي إحدى المعالم الثابتة في علاقات سورية الخارجية..

وظائف الدولة و(هوياتها القاتلة)

(ثمّة توافق على أن الجزء الجوهري من تدابير حلّ الأزمة سيكون وضع دستورٍ جديد. فالدستور هو محتوى الدولة وشكلها، والعقد الاجتماعي بين مواطنيها. ينبغي أن يكرّس الدستور القادم كل ما توفّر من إيجابيات مرحلة التأسيس، إضافةً إلى استبعاد كلّ الفجوات التي أظهرتها السبعون عاماً الماضية. وبقدر ما يُتخذ من إجراءات حاسمة لتطبيقه، تترسخ شروط عدم العودة إلى ما نحن فيه، الآن..لا تحتاج الدولة إلى هوية دينية لتُعرّف بها، بل هي لا تحتاج إلى هوية قومية أو طبقية، لتتطور اجتماعياً أو سياسياً..لا تحتاج الدولة إلى التعريف بأن مواطنيها، من أصولٍ عربية، هم أكثرية شعبها. سيُشعِر هذا مواطننا الكردي أو غيرَه من أبناء الأقليات، بانتقاص من حقوق العيش في بلده..وهي لا تحتاج إلى تأكيد الهوية الطبقية، العمالية والفلاحية، لنصفِ أعضاء البرلمان. يتعارض هذا مع أسسِ دولة المواطنة. لعلّنا نمنحُ هذه النسبة للمرأة السورية، لأن هذا يحفّز تساويها مع الرجل، والانتقال إلى تعديل تشريعات الإرث والزواج... لتعيش أجيالنا القادمة، فعلياً، في دولةٍ مدنية..لن يعيقَ التأكيد على الهوية السورية للدولة، إطلاقاً، تعاونَها بل اتحادها مع دولٍ مجاورةٍ لها، عندما يحين الحين، ولكن ليس على أساسٍ دينيٍ، وليس بالضرورة الحتمية، على أساسٍ قومي، بل على أسسٍ سياسية واقتصادية وخدمية وعلمية وثقافية. وإذا توفّر شرطٌ قومي ديمقراطي ناضج، فسيكون الاتحاد أمتن وأكثر عمقاً، وهو ما ينبغي الشغلُ عليه، مع المراعاة التامة لحقوق القوميات الأخرى..أما كون سورية بلداً صغيراً، بين دولٍ أكبر وأغنى منها، في عالم مازالت القوة العسكرية والاقتصادية تُحفّز الغريزة السمكية، فإن إحدى حقائق العصر، هي اهتراء الدول الإمبراطورية وليس بعثَها من جديد. لم تتشكل، في القرن العشرين، أية إمبراطوريةٍ حديثة، بينما تفككت، خلاله، عدة امبراطورياتٍ عريقة، نشأ، من تشظيها الموضوعي، عشرات الدول، تُعّد سورية، بينها، دولةً متوسطة المساحة..

الروح السورية

يبني قرار مجلس الأمن رقم 2254(إذا أمكن تنفيذه) قاعدةً متينة للانعطاف نحو تطورٍ يستعيد الدولة ويحميها، فهو قرارٌ واقعي ومتوازن ويضمن ليس فقط بقاءَ الدولة، وإنما يُرسّخ تنفيذُه علمانيتَها وتحولها دولةً ديمقراطية تعددية قادرة على النمو. وهو أيضاً يُسيّجها في وجه الضغوط والتهديدات الإقليمية..أما ما يتعلق بتنشيط العامل الداخلي الضروري لإنهاء الأزمة، فربما تصلحُ الكلماتُ التالية إطاراً موجزاً وشاملاً لما هو مطلوب منّا، وخصوصاً ممن سيذهب إلى جنيف، بهدف التفاوض/ الحوار البنّاء والمسؤول..كتب المفكر ياسين الحاج صالح، عام ،2003 عن تجربته في سجن تدمر، مقترحاً إشادة نصب لتكريم من عُذّبوا فيه::(.. نسمّي هذا النصب نصب التوبة، توبتنا جميعاً. هذا جزء من عملية أوسع، سياسية وثقافية وقانونية وإنسانية، تهدف إلى ضمان تسامي السوريين على أية دوافع ثأرية ممكنة، وقطع الدائرة الجهنمية لتبادل مواقع القاتلين والمقتولين. فالضحية الدائمة لهذه الدائرة هي الجميع وبلد الجميع)..

*عنوان مؤلَف للروائي اللبناني أمين معلوف

 

صريح البني - جريدة النور

إضافة تعليق


مود الحماية
تحديث

انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

News

مشاركة هذه الصفحة

FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousLinkedinRSS Feed