رأي الحزب

النشرة البريدية

تسجيل دخول محرر الموقع

مواقع صديقة

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

في العام السبعين للاستقلال(1من2): مازالت الأولوية للمسألة الوطنية..

يحملُ عام 2016 للسوريين معانيَ خاصة، ليس فيها الكثيرُ مما يُبهجُ القلب، ففي مثل هذه الأيام، منذ مئة عام، رُسمت، من قبل سايكس وبيكو، حدود الدولة السورية، لأول مرّةٍ في التاريخ الحديث. وبعد أشهر قليلة تحلّ الذكرى السبعون لاستقلالنا الوطني. بيد أن آذار 2016 هو أيضاً شهرُ الذكرى المريرة الخامسة لبدء أزمتنا الوطنية الدامية المستمرّة. وفيه يلوح أفقٌ باهت لخروجٍ مُحتمل من نفق الأزمة التي هدّدت ومازالت تهدد وجودَ الدولة.

كيف ينظر أبناءُ الجيل الذي وُلِد عشية الاستقلال إلى تلك الأحداث المصيرية في تاريخنا؟ وهو الجيل الذي شارك في مجمل تطورات المسألة الوطنية السورية، بكل تقلباتها وتناقضاتها وبعض إنجازاتها والكثير من إخفاقاتها، وهو شريكٌ في المسؤولية عنها.

هذه مساهمة نقدية(يجب أن تتَسع) لاستخلاص الدروس والمفاهيم والقيم الوجودية العميقة من أعوام الاستقلال التي هي عمر جيلنا، بل من بعض مجريات المئة عام المنصرمة، منذ سايكس بيكو، وربما مما قبله بكثير. هي محاولة للبرهنة على كون تأسيس الدولة هو أعظم منجزات شعبنا، رغم عدم نضوجها، وأن الأولوية، الآن، هي لاستعادتها وحمايتها وتطويرها، مدنياً وديمقراطياً واجتماعياً.

1- مدنية وعلمانية غير مكتملتين:

نشأت سورية دولةً نصف مدنيةً علمانيةً، ضمن ما سمحت به ظروف الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، أي دون القدرة على تطبيق مبدأ المساواة الشاملة بين المواطنين، كركيزة للدولة المدنية. يظهر الظلم الاجتماعي، بأبرز صوره، في التمييز المستمر بين المرأة والرجل، في مسائل الإرث والزواج وغيرهِما. إن إحدى أكبر عيوب تطورنا، منذ الاستقلال، هو ضعف اهتمام القوى السياسية بهذه المسألة المركزية. وحتى الآن ليس هناك حركةٌ مجتمعية سياسية واحدة تعدُّ هذه المسألة هدفاً برنامجياً أساسياً لها، مما يجعل الحالة المجتمعية السورية رجعيةً، في أحد مفاصلها.

ربما لو انتبهنا، باكراً، إلى أن أهم ما يُسهم في تقدم مجتمعنا هو تحرر المرأة، لانجذبت قوى أكبر إلى عملية المقاومة المطلوبة لظاهرة داعش الإرهابية الكارثية.

بيد أن الخروج عن مفاهيم مثل: (الحاكمية لله)، و(الإسلام دين ودولة)، و(الدستور هو القرآن)، وكذلك (طاعة أولي الأمر).. الخ، كان إيذاناً بأن جزءاً طليعياً من المنطقة العربية وجوارها يمكن أن يذهبَ إلى الفصل بين الدين والدولة والسياسة.

كذلك حملت الدولة الناشئة، واقعياً، طابعَ تعددِ القوميات والأديان، بحكم تركيبها السكاني الموروث، منذ ألوف السنين.

من جهةٍ أخرى، شهدت سورية، باكراً جداَ، اضطراباً سياسياً شبهَ دائم، بفعل عوامل خارجية، هي ذاتها العوامل الفاعلة، ما قبل الاستقلال، مضافاً إليها الصراع الذي سرعانَ ما احتدم، بين القوى السياسية الداخلية التي رغبت بإزاحة أحزاب البرجوازية والإقطاعية عن الحكم، والحلول مكانها، وهي تحمل ثلاثة مشاريع رئيسة متنابذة، قومية واجتماعية ودينية، حول محتوى الدولة وشكلها.

كلّ هذه العوامل، جعل الدولة، وهي لم تكد تحبو آنذاك، تنوء تحت ضغوطٍ كبيرة، من داخلها أيضاً، أي من التيارات التي أثقلتها بعبءِ حملها أجزاء من تلك المشاريع، بعضها إلى جانب البعض الآخر. كان في النظام السياسي السوري، دائماً، تقريباً، نصيبٌ لما هو ديني (الأحوال المدنية وحرية الممارسة الواسعة للدعوة الدينية..)، ولما هو قومي(الحزب الحاكم منذ عام 1963 والتجارب الوحدوية المتعاقبة)، وكذلك مقدار متحوِّل من معالم الدولة الاجتماعية(تتقلّص في السنوات الأخيرة). أي أننا لم نعطِ التركيز والوقت الكافيين، لاستكمال بناء الأسس الجامعة والمحايدة للدولة الحديثة. كنا نعتقد أنها دولةٌ مؤقتة ستحلُّ مكانها صيغةٌ أخرى، نابعة من إيديولوجيةٍ ما. اكتشفنا، متأخرين، أن مشروع بناء الدولة ليس إيديولوجياً. وأن الطابع المدني للدولة يتطلب، أيضاً، الفصل بينه وبين العقائد كلِّها، وليس الدين فقط. أما الوظيفة الطبقية للدولة فينبغي العمل على إلغائها، وليس الانتقال من سيطرة طبقة أو فئةٍ إلى أخرى.

لكن الصراع استمر، على نحوٍ رئيس، بسبب عدم اكتفاء التيار الإسلامي السياسي بما هو قائم، من تشريعٍ إسلامي لأجزاء أساسية من شؤون المجتمع. فقد عمل، أغلب الأوقات، من أجل وضع يده على كامل السلطة، لتكون له القدرة على صنع دولته الإسلامية، الصافية من تأثيرات الحداثة، معتقداً أن هذا تكليفٌ إلهي.

بينما لم يكن، لدى السلطة، مشروعٌ للتحول السياسي الديمقراطي، بالتخلي عن الانفراد بالحكم وسلوك طريق الانفتاح على المجتمع، بجميع مكوناته، مع تحسين مستوى معيشة المواطنين، وهم يتكاثرون بزخمٍ قياسي.

2- عودة النزعات الإمبراطورية تهدّد استقلالنا من جديد

بعد عدة عقود من الجلاء، عادت إلى الظهور، في المنطقة، دولٌ ذاتُ طابعٍ ديني، وبعضُها ذو تاريخٍ إمبراطوري، أو يطمح لتأسيسِه على أساسين: دينيٍ وقومي معاً.

يُشكّل جعل سورية إحدى ساحات النشاط القاتل للجهادية الإسلامية، أو انقسامها على أسس قومية ودينية، أخطرَ ما هدّد ويهدد الدولة ويعيد صياغتها باتجاهاتٍ تُلغي شروطَ وجودِها التاريخي والجغرافي، ضمن تطوراتٍ تجتاح المنطقة.

في حوارٍ سياسيٍ حادّ على قناة BBC، قبل مدةٍ قصيرة، قال الإعلامي السعودي جمال خاشقجي:... إن سورية هي جزء من الحيّز السعودي. سألته المحاورة الكفوءة والجميلة ملاك جعفر: منذ متى؟ أجابها: منذ قال الرسول(ص): يمنُنا وشامُنا! سندعم السوريين في نيل الديمقراطية، بكل ما نستطيع. عقّبت المذيعة: من يُحاضر على من؟..

أدخل الخاشقجي الرسول (ص) في تحديد أبعاد الحيّز السعودي؟ ألا يُحسبُ هذا كفراً في المعايير الدينية؟

لم تكن المرّةَ الأولى التي سمعنا فيها إعلاناتٍ شبيهةً، (صريحة) و(شفّافة)، كما يليق ب(كبار) الإعلاميين وبالقادة (البونوبارتيين)، ممن ينتمون إلى دولٍ عقدت العزم أن تُغيّر هي منطقة الشرق الأوسط، لا لتجعله (كبيراً)، بل لتكبر هي، على حساب سورية والعراق وغيرهما.

ولكننا سمعنا أيضاً تصريحاتٍ لمنظّرين أمريكيين قليلي الحصافة، ومسؤولين إسرائيليين من حجومٍ مختلفة، يبشّرون بأن سورية، كدولة، لن تعود كما كانت. وجُهّزت، في مراكز أبحاثٍ غربية، خرائط أولية للكيانات التي ستنشأ عنها.

كنّا، خلال عدّة آلوفٍ من السنين، جزءاً من إمبراطورياتٍ كبيرة، عَدّتنا بعضاً من مكوناتها، وعملت على ابتلاعنا وتمثّلنا. يجب أن نتذكر أن القرون الأربعة، التي خضعنا فيها للدولة العثمانية، كادت أن تمحو خصائصَنا، ضمن الطابع التركي الإسلامي، إلى الحدّ الذي جعل جزءاً من القادة الوطنيين يدافعون، بُعَيد التخلص من الكابوس التركي، عن فكرة البقاء ضمن النسيج العثماني..

لا ينفي التأخر في تشكّل الدولة السورية كونه استجابةً لضرورة تاريخية جسّدت حاجةَ قاطني هذه البقعة من الأرض، لتنظيم حياتهم وعلاقاتهم البينية ومع العالم، في دولةٍ مستقلة، شأن شعوب الأرض جميعِها، دون وصايةٍ ولا هيمنةٍ من جيرانهم الإقليميين أو غيرهم..

صريح البني - جريدة النور

إضافة تعليق


مود الحماية
تحديث

انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

News

مشاركة هذه الصفحة

FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousLinkedinRSS Feed