رأي الحزب

النشرة البريدية

تسجيل دخول محرر الموقع

مواقع صديقة

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

مشروع التقرير السياسي للحزب الشيوعي السوري الموحد... دعوة للنقاش

دعوة لتفعيل دور السوريين في إنهاء أزمتهم

يقدّم مشروع التقرير السياسي للحزب الشيوعي السوري الموحد مادةً سياسيةً دسمة يمكن أن تُسهم في إعطاء حوار السوريين، فيما بينهم، زخماً في ظل الظروف الراهنة، وهوحوارٌ يهدفُ لتأسيس رؤيةٍ متوافقٍ عليها، لإخراج بلادهم من المأساة الوطنية المتصاعدة. ولعله يغدو أحد أشكال التحضير لتنفيذ المقترح الذي تضمنه الجزء الأخير من التقرير والقاضي بـ(عقد مؤتمر وطني يضمُّ ممثلي القوى السياسية الوطنية والهيئات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وممثلي المعارضة، بغية التوصل إلى عقد اجتماعي جديد..).

مبادرةٌ وطنيةٌ هامة، عشيةَ المؤتمر الثاني عشر للحزب، ينبغي الترحيب بها والاشتغال على تحقيقها. وهي لا تتعارض مع الجهود الأخرى المتعلقة بالعملية السياسية، سواء التي ترعاها الأمم المتحدة (جهود دي ميستورا) أو سواء غيرها من الجهات المعنية بالملف السوري. القيمة الأساسية للمبادرة هي في تجاوبِها مع الهدف الرئيس للسوريين بإنهاء أكثر فترات تاريخهم استباحةً وظلاميةً وعنفاً وتخريباً، عبر تنشيط العملية السياسية الهادفة لـ(تحديد ملامح مستقبل سورية الجديدة.. التي يتمتع شعبُها بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية). تحفّز المبادرة شعور السوريين بالمسؤولية تجاه أزمةٍ يتفاعل معها العالم كّله، وهي بالمحصلة كانت وما زالت أزمتهم هم، قبل الآخرين جميعاً، وأنه آن الأوان لكي يتحوّلوا إلى فاعلين إيجابيين في معالجتها، سياسياً.

يُذكِّر المشروع بتأكيد الحزب، منذ بداية الأزمة، أن حلّها (لا يمكن أن يكون عبر المواجهة العسكرية فقط..بل عبر اتخاذ جميع التدابير الأخرى في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية).

حول ماذا يتحاور السوريون؟

ثمة ثلاث نقاط جوهرية:

- الأولى: كيف ينهون الأزمة من خلال دحر القوى الإرهابية واستعادة السلم الأهلي. هذه المسألة تتطلب إبقاء المصالحة الوطنية، بين الأطياف الأساسية للشعب السوري، هدفاً قائماً ومتجدداً، رغم الكثير والخطير مما جرى ويجري، وتجلياته على كل مناحي الحياة السورية.

يجب استلهام التجارب العظيمة لشعوب أخرى ذهبت نحو المصالحة الوطنية، رغم عمق الشرخ وامتداده بين مواطنيها. أبرز تلك التجارب هو ما حصل في جنوب إفريقيا،وقاده نلسون مانديلا بشجاعته وحكمته، مُحوِّلاً مسار الكراهية والأحقاد المتبادلة والروح الانتقامية، بين مواطنيه من السود والبيض، إلى فرصةٍ مثمرةٍ للتعايش والبناء المشترك.

يمكن أن يُصدر المؤتمر، ضمن وثائقه، دعوة إلى جميع السوريين لخلق الشروط الضرورية للمصالحة الوطنية، سبيلاً لعودة سورية وطناً آمناً مستقراً. وهي شروط صعبة ولكنها غير مستحيلة، تعتمد على التمعّن بنتائج مسار الأزمة الدموية التي جعلت من سورية بلداً مهدداً، واقعياً، بالتقسيم، وربما بما هو أكثر بكثير. يجب وقف هذا التطور الذي يجعلنا ساحة مجابهةٍ عالمية شديدة الخطورة ومفتوحةً لتصبحَ أكثرَ وأكثر دمويةً، وقد تُستخدم فيها كل صنوف الأسلحة، بما فيها، خصوصاً، تلك التي تُحدِث تدميراً شاملا. لا أشكّ لحظةً بأن داعش تسعى للحصول عليها، بكل إمكاناتها، وهي جاهزة بعقليتها الإفنائية الخلاصية، للإقدام على ما يخطر وما لا يخطر ببال عاقل..

- الثانية: كيف يحققون، على التوازي، (التغيير العـميق في بنية النظام السياسي بغية الانتقال إلى دولة ديمق راطية علمانية وتقدمية تقوم على أسس المواطنة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية).

هذه المهمة المفتاحية المعقدة بفعل الظروف القائمة التي يسودُ فيها التشنج والرفض وعقلية الإقصاء، تحتاج إلى دأبٍ وصبرٍ كبيرين لتنفيذها.

سيكون مفيداً إشراك شخصيات من المجتمع المدني سعتْ، منذ بدء الأزمة وحتى الآن، للتنقيب عن إمكانات لجم التطور الدامي، والتحول نحو تأسيس رؤى متجددة للحلول الممكنة، وفق شروط ومتحولات كل مرحلة..

سيدور الحوار المنشود حول آليات (تطبيق المبادئ الأساسية التي نصّ عليها الدستور الحالي وأهمها: حماية التنوع الثقافي للمجتمع السوري، الفصل التام والواقعي بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، اعتبار الحرية حقاً مقدساً بما يكفل للمواطنين الحرية الشخصية والمحافظة على كرامتهم وأمنهم، سيادة القانون أساس الحكم في الدولة..).

وكذلك: (إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين بسبب الرأي، إعطاء أهمية قصوى لمعالجة أوضاع المهجّرين، اعتبار محاربة الفساد والمفسدين مهمة وطنية من الدرجة الأولى..).

ولكن جهداً كبيراً يجب بذله، في المؤتمر، للاتفاق على كيفية إنتاج دستور منسجم ومتكامل، في كل مواده، مع المبادئ الأساسية المذكورة أعلاه، بما يجعل سورية، فعلاً: (دولة ديمقراطية، تعددية، تشكّل المواطنة فيها مبدأً أساسياً..).

- الثالثة: إعادة الإعمار، وفق سياسة اقتصادية اجتماعية وثقافية، عقلانية وقابلة للتنفيذ، تهدف إلى جعل حياة السوريين متوافقة مع عقدهم الاجتماعي الجديد، مستفيدةً من خبرات الماضي، بجميع جوانبها.

 

ضرورة خطة حكومية انفراجية، سياسياً وأمنياً

تستطيع الحكومة إطلاق إجراءات هادفة إلى توسيع دائرة المواطنين الراغبين في بقاء الدولة وبقائهم فيها. وبعض الظروف التي تتوافر، الآن،تساعد الحكومة في خلق بيئة انفراجية فعّالة، سياسياً وأمنياً، تعزلُ الإرهابيين في الوسط الاجتماعي الذي ينشد حياةً لا تتفق مع ما يعيشوه، تحت الحكم التكفيري أو على تماسٍّ معه.

من بين أهم التدابير التي يمكن أن تتضمنها الخطة تنفيذ ما ذكره الوزير المعلم، في كلمته، أمام الاجتماع الأخير للهيئة العامة للأمم المتحدة: (تضمن الدولة السورية لمن يرغب من المواطنين السوريين (الذين اضطروا إلى النزوح من منازلهم، كثيرٌ منهم إلى دول الجوار) العودة الآمنة والحياة الكريمة).

 

عن الصراع الطبقي ومجابهة الفكرين التكفيري والليبرالي

أتوقف، قليلاً، عند بعض المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في مشروع التقرير، وأزعمُ أن التجربة السياسية والاقتصادية السورية، أنتجت بدائلَ واقعيةً لها:

يقول المشروع، في البند 10 من (المهام الملقاة على عاتق الشيوعيين):

(العمل من أجل قيام حركة شعبية ديمقراطية تقدمية، لمجابهة الفكر التكفيري من ناحية، والفكر الليبرالي في الاقتصاد من ناحيةٍ أخرى)

هل يمكن وضع الفكرين التكفيري والليبرالي في كفتي ميزان واحد؟

يمثّل التكفيريون قوىً ظلاميةً لا يجمعها جامع بالليبراليين الذين هم في صراعٍ تاريخي ضد القيود على الحرية الفردية(وبالتالي حرية المجتمع)،وهي جوهر الفكر الليبرالي.

يمكن أن نضيف إلى البند ،10 ما جاء في الفقرة المتعلقة بموقف الحزب من الأزمة، وهي تتحدث عن (الصراع الطبقي الأساسي في البلاد، بين الأكثرية الساحقة من العمال والفلاحين والمثقفين والبرجوازية الصغيرة والمتوسطة.. وبين قوى البرجوازية الطفيلية والكومبرادورية وبعض الأوساط من البرجوازية البيروقراطية..).

هل يغطّي كلّ تعقيدات الأزمة الراهنة رؤية ما يجري في سورية وسواها نتاجاً للصراع الطبقي الأساسي، ضمن قواعد تحليلنا التقليدي؟

كيف يمكن فهم (داعش) ظاهرةً طبقيةً صافية؟ الأمر ذاته بالنسبة لطالبان أفغانستان، أو (بوكو حرام) في نيجيريا؟ أليس في هذا التحليل والتصنيف شيءٌ من التعسف؟

أو أن هناك مسارين، أحدهما للصراع الطبقي الاجتماعي والآخر للصراع الوطني السياسي؟

الأجدى أن نغوصَ أكثر في الظاهرة الوبائية القاتلة.. لنستنتج ما فيها من تشابك وتقاطع بين عناصر اجتماعية وسياسية وأخرى معرفية وثقافية وتاريخية. ما هو دور البيئة الشمولية الراسخة في بلداننا، التي أعاقت تطورنا، منذ مئات السنين، والتي تعززت، في القرن العشرين، بروافد شمولية ليست دينية، بل قد تكون (تقدمية)؟ أليست الظاهرة العالمية للتطرف ارتداداً، في أحيان عديدةٍ، لممارسات السلطات الشمولية والفكر الشمولي بما فيه (التقدمي)؟ لماذا لا يظهر التطرف الديني في البلدان التي تأصلت الليبرالية فيها طريقةَ عيشٍ وتفكير؟

لاحظتُ في مشروع التقرير توقفَه عند البرجوازيتين الصغيرة والمتوسطة، في الجانب التقدمي للصراع الطبقي. لم يقلْ، مثلاً: البرجوازية المنتجة، شامِلاً جميعَ أجزائها.

ولكن المشروع الليبرالي، في التاريخ السوري، منذ الاستقلال، كما في الظروف الحالية، ضروري وبنّاء، ولم يعقْ أبداً المسارات الاقتصادية والاجتماعية التقدمية. وفي فترة 1954-،1958 ذهب نحو تأسيس قطاع اقتصادي للدولة، بتوقيع اتفاقيات مع الاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا لتنفيذ مشاريع تنموية أساسية.

وهو وطنيٌّ لأن الفلسفة الليبرالية، التي ترتكز على حرية الإنسان، هي القاعدة الفكرية والمسار التاريخي لتطور الدول باتجاه العلمانية والمواطنة والتعددية والديمقراطية السياسية والمجتمع المدني وتعدد الأحزاب والآراء وتداول السلطة والمساواة المطلقة والشاملة بين المرأة والرجل.. وعلى تلك القاعدة الإنسانية استندت لائحة حقوق الإنسان.. بينما غابتْ بعض تلك المفاهيم والمصطلحات عن الخطاب الشيوعي، بعض الأحيان.. رغم أن تلك المفاهيم هي منجزٌ إنسانيٌ شامل، لا يليق أن نتبرأ وننفرَ منه، ذلك أن مسيرة التطور لم تبدأ معنا ولن تنتهي بنا.

يحتاج مجتمعُنا كي يستعيدَ عافيتَه ويشحذَ قواه، إلى تيارٍ ليبراليٍ، يشارك في إدارة السياسة والاقتصاد وفي الجهد الاجتماعي والفكري لإنجاز إصلاحٍ ديني عميق، إلى جانب التيارات التقدمية الموجودة. هو ضرورةٌ حياتية نهضوية، تشدُّ أَزر تلك التيارات، كما في المجابهة الوطنية الشاملة للتطرف، بكل أشكاله.

أما ما سُمّي بالمشروع (الليبرالي) أو (النيو ليبرالي) الذي شهدنا تطبيقاً له في السنوات التي سبقت الأزمة، فقد وجّهَ ضربة للبرجوازية المنتجة(بما فيها الكبيرة)، قبل غيرها، وهو من إبداع جزءٍ من البيروقراطية الحكومية، وليس ليبرالياً، في حقيقته.

 

دروس التجربة التقدمية السورية ودور الشيوعيين التاريخي

لا يضيرنا أن نذهب أبعد، إلى الوراء، لنعيدَ تقويمَ التأميم الذي جرى، نهاية الخمسينات ومطلع الستينات. فقد وجه ضربةً غير تنموية للصناعة السورية الفتية، ونفّذ مهامّ لم تكن مناسبة، في تلك المرحلة. وقد وقف الشيوعيون موقفاً صحيحاً، تجاه البرجوازية الوطنية المنتجة، في الفترات الأنضج من تاريخهم. وهو إحدى مآثرهم، لأنهم قدّروا أنها الطبقة الأكثر جاهزيةً لقيادة بناء الدولة، في مرحلة التأسيس التي كنا فيها، بسببٍ من ليبراليتها، حتى في الاقتصاد.. ولكون التطرف الديني، في زمانها، كان أضعف، بما لا يُقاس، مما عرفناه في الحقب التالية..

الذي حصل، فيما بعد، هو أن برجوازيةً أخرى بديلةً، نشأت لاحقاً، أغلبها من أصولٍ بيروقراطية.. والآن أصبح من الصعب، في بعض الحالات، معرفة الحدود الفاصلة بين قطاع الدولة والقطاع الخاص(خصوصاً الطفيلي).

أعيدُ، دون كلل، تأمّلَ الدرس التاريخي العميق الذي قدمه الدمشقيّون، منذ أكثر من ستين عاماً، عندما اختاروا إلى البرلمان، في الجولة الأولى من الانتخابات الديمقراطية الوحيدة التي عرفها جيلُنا السبعيني، أربعةَ نواب ليبراليين(أحدهم مسيحي) وشيوعياً هو خالد بكداش.

 

مراجعة نقدية، فكرياً وسياسياً تُسهم في الخروج من الأزمة

أسهب التقرير في شرحِ تسلسل الأحداث السياسية، خلالَ الأزمة، ومواقف الحزب منها. وراء هذا الشرح جهود فكرية محكومة بشروط البلاد السياسية الصعبة. يحق لنا كأصدقاء للحزب أن نطمح لمزيدٍ من تلك الجهود لكشفِ مجمل أسباب ما جرى ورسم الآفاق المتاحة. يبرر طموحَنا معرفتُنا بالخلفية الفكرية العتيدة للحزب، وقد تعرّضتْ لامتحانٍ تاريخي مديد، دون أن تنعكسَ نتائجُه في تطوير واضح المعالم لتلك الخلفية.

(بيد أن لينين أطلق، ذات مرّة، تلك الجملة البسيطة الغامضة: لا حقيقة في النظريات، حتى لو كانت حقيقية. هي تكمن في الممارسة) - فيصل درّاج، مجلة الطريق- العدد9- الإصدار الجديد.

تساعد معرفة الأخطاء المرتكبة خلال سنوات الأزمة وما قبلها(ربما منذ ما بعد الاستقلال) خلال مراجعة نقدية جريئة تُقدِم عليها الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية، في توفير شروط فكرية وسياسية لحوارٍ ناجح، يؤدي إلى إنهاء الأزمة. تلمّستُ جزءاً من هذه المراجعة النقدية في تحديد الحزب لجوهر الأزمة بأنه (التناقض بين الصيغة السياسية التي تُدار بها البلاد ومتطلبات الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يحتاج إليها المجتمع السوري). تشملُ هذه المراجعة، كما أفهمها، نقداً ذاتياً من جهة، فالحزب كان ومازال شريكاً في تلك الصيغة، ولكنها، من جهةٍ أخرى، تبدو تعهّداً بالعمل من أجل تطوير تلك الصيغة، بأفقٍ ديمقراطي لا يطيح بالدولة، لأنها منجزُنا الأكبر.

 

انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

تصريحات وبيانات وتقارير حزبية