رأي الحزب

النشرة البريدية

تسجيل دخول محرر الموقع

مواقع صديقة

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

اقتصاد ريعي أضعف مواجهتنا للأزمة

في الندوة المكرسة لمناقشة التقرير الاقتصادي والاجتماعي الذي سيقدم إلى المؤتمر الثاني عشر للحزب الشيوعي السوري الموحد بتاريخ 4/8/2015 والتي حضرها نخبة من الاقتصاديين والخبراء السوريين، اقترح بعض المشاركين توسيع الفقرة المتعلقة بالسياسات الاقتصادية المتبعة قبل نشوب الأزمة السورية، وأثر هذه السياسات في إضعاف قطاعات الإنتاج الحقيقي، وخاصة الصناعة والزراعة من جانب، وإثارة غضب الجماهير الشعبية بسبب انعكاسات هذه السياسات على تردي وضعها المعيشي والاجتماعي من جانب آخر. والاستمرار في توضيح هذه المسائل في صحيفة الحزب (النور)، وأثرها في إضعاف مواجهة البلاد للحصار الجائر الذي فرض عليها، وغياب أدوات الحكومة في فترة كانت تحتاجها للصمود في مواجهة التداعيات الاقتصادية للأزمة.

 

لقد كتبنا في (النور) منذ بداية الأزمة الكثير من المقالات والأبحاث الاقتصادية حول السياسات الاقتصادية منذ عام ،2000 ورغم ذلك نرى أن الخبراء الذين اقترحوا التوسع في هذه المسائل محقّين تماماً، وسنبذل جهودنا من أجل تنفيذ اقتراحهم.

أي نمو؟ وكيف؟

الحكومات المتعاقبة بين عامي 2005 و2010 على التفاخر بنسب النمو المحققة، لكن عن أي نمو تحدثوا؟ وكيف تحقق هذا النمو؟ تجاوز متوسط معدل النمو الاقتصادي في البلاد  حسب الأرقام التي  ساقها  مسؤولو الاقتصاد السوري آنذاك 5%، وجرى تداول هذه النسبة للتدليل على صحة السياسات الاقتصادية وفاعليتها، ويمكننا ببساطة هنا البحث عن نسب النمو خلال هذه الفترة، وماهي القطاعات التي أنتجته.

تراجع الاقتصاد الحقيقي

نبين هنا بعض المؤشرات على تراجع القطاعات المنتجة بين أعوام 2007و 2010:

1 - انخفض الإنفاق الاستثماري في موازنة 2008 بنسبة 10,8% عن عام 2007.

2 - بلغ عجز الموازنة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في العام الحالي 9,83% بينما كان 5% في عام ،2007 و 2,6% عام 2006. (راجع البيان المالي للحكومة حول موازنة الدولة لعام 2008).

3 -   بلغت  الإيرادات الضريبية 297 مليار ليرة في عام ،2006 وهي تشكل 24% من الناتج الإجمالي لكن الضريبة على الأرباح لم تتجاوز 11% فقط.

4- انخفضت الإيرادات المقدّرة من الفوائض الاقتصادية للقطاع العام والشركة السورية للنفط  عام 2007 من 227 إلى 110 مليارات ليرة، وتراجعت الإيرادات النفطية المقدرة عام 2007 من 246,5  إلى100 مليار ليرة، وبلغ عجز الميزان التجاري 26,3 مليار ليرة في عام 2006.

5 -  تبين لوزارة الصناعة من خلال تحليلها لواقع الصناعة التحويلية بشقيها العام والخاص بين عامي 2007 و،2009 أنها تتسم بالضعف، إذ تقوم على صناعات خفيفة تتمركز في المراحل الأخيرة من سلسلة التصنيع، وذات قيمة مضافة متدنية لأنها تعتمد على تبعية كبيرة في الحصول على موادها الأولية ومستلزمات الإنتاج من الخارج، وتنحصر معظم الصادرات الصناعية بالمواد الأولية ونصف المصنعة، ومساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي ضعيفة ولا تتجاوز نسبتها 11%،

وأكدت الوزارة أن الصناعة تعاني في الوقت الراهن من دخول منتجات صناعية مختلفة ومن دول متعددة بشهادات منشأ غير صحيحة، والسماح بدخول منتجات صناعية من دول مختلفة مماثلة للمنتج المحلي وبأسعار أقل من التكلفة الحقيقية للمادة الأولية، إضافة إلى عدم تنفيذ العديد من المشاريع الاستثمارية المشملة بقانون الاستثمار، وطلب عدد منها تصفية أعمالهم بعد انقضاء فترة الإعفاء الضريبي،

كل ذلك وضع الصناعة السورية في وضع لا تحسد عليه مما أدى إلى انخفاض قدرتها التنافسية التي هي منخفضة نسبياً، ورأت وزارة الصناعة أن عدم التصدي لمعالجة ما تعانيه هذه الصناعة سيؤدي حتماً إلى إغلاق العديد من المصانع السورية وتحول قسم كبير من الصناعيين للاستثمار في الخارج أو إلى التجارة، إذ إن الإحصاءات الأولية تشير إلى وجود 16000 منشأة صناعية في مصر يملكها صناعيون سوريون، كما يوجد قسم لا بأس به في السعودية والسودان.

6 - كانت الزراعة بشقيها النباتي والحيواني تساهم بنسبة 20% من الناتج الإجمالي حتى عام ،2006 لكنها بعد موسمين اتسما بالجفاف، وعدم حل المشاكل والمعوقات التي يعانيها الفلاحون السوريون، والتي يأتي في المقدمة منها تأمين البذار والأسمدة والعلف، وارتفاع أسعار المشتقات النفطية، وغياب الأسعار العادلة للمحاصيل، وإطلاق يد التجار وسماسرة السوق السوداء، والبطء الشديد في تنفيذ مشاريع التنمية في المناطق الزراعية، كل ذلك أدى إلى تراجع مساهمة الزراعة في الدخل الوطني، مما يهدد الأمن الغذائي الذي حافظت عليه البلاد منذ عشرات السنين، إذ تراجع محصول القمح من نحو 4,5 ملايين طن في عامي 2004 -2005 إلى 1,5 مليون طن عام ،2008 وتراجع محصول القطن من نحو مليون طن إلى 600 ألف طن في الفترة المذكورة.

هذا هو حال القطاعات الأساسية  المنتجة في اقتصادنا الوطني خلال تلك الفترة، فمن أين جاء النمو؟ إنه نمو المشاريع العقارية والسياحية التي بلغت خلال عامي 2008و 2009  فقط نحو 750 مليار ليرة سورية، أي ما يعادل 75% من مجمل الاستثمارات في قطاعات الاقتصاد السوري مجتمعة! في حين عانت الصناعة بقطاعيها العام والخاص جملة هموم أبعدتها عن المساهمة الفاعلة في العملية الاقتصادية.

النمو الفقاعي والأوضاع الاجتماعية

عندما تتراجع قطاعات الإنتاج الأساسية فإن النمو سيأتي من قطاعات العقارات والسياحة والمصارف والخدمات، وهو على أهميته لا يحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة، وهو توجه خطير يدفع المواطن السوري ثمنه غالياً فيما بعد،ففي حين لم تتجاوز حصة الصناعة التحويلية 7% من الناتج المحلي الإجمالي لعام ،2011بلغت حصة التجارة والمطاعم والفنادق والمؤسسات المالية والمصرفية والتأمين والنشاط العقاري نحو 24%.

وفي الوقت الذي عانت فيه الصناعة التحويلية في القطاعين العام والخاص نقص الاستثمارات،وغياب التمويل المصرفي،والسياسات الانفتاحية التي حاصرت الإنتاج الصناعي السوري في عقر داره، كانت تنبت البيوت الراقية من الطراز الأمريكي والعقارات المتعددة الاستعمالات على بعد أميال قليلة من العاصمة دمشق،في أحدث إشارة إلى الفقاعة العقاريّة في البلاد  في تلك الفترة، وأنجزت مخططات لإنجاز 173 فيلا دراقية اللون في محيط مركز ترفيهي ورياضي خلال عام . وفي منطقة الصبورة المحاذية،تقع قرية النخيل التابعة لمجموعة (بن لادن) السعودية وتضم 33 فيلا حديثة وفندقاً برتبة 4 نجوم، ويبلغ سعر  الفيلا نحو 30  مليون ليرة سورية وفق أسعار عام2010.والسؤال هنا :من المستفيد من هذه الاستثمارات،ولمن توجه هذه المشاريع؟علماً أن حصة الفرد السوري من الناتج المحلي بلغت حينذاك 71 ألف ليرة سورية فقط! وأن أكثرية الشعب السوري عانت مصاعب معيشية واجتماعية بعد تراجع الدولة عن دورها الداعم للفئات الفقيرة والمتوسطة، وارتفاع أسعار المواد الأساسية بعد تكريس اقتصاد السوق الحر من جميع القيود .

وذهبت مليارات أخرى للمضاربة بأسعار الأراضي في جميع المناطق،وخاصة تلك الواقعة على جانبي الطريق الدولي بين سورية ولبنان، والأراضي الواقعة على طريق القنيطرة،وسفح جبل الشيخ، هذه المضاربة كدست المليارات في أرصدة المضاربين، ورفعت بشكل مصطنع أسعار هذه الأراضي.

حين انفجرت الأزمة السورية، وواجه اقتصادنا تداعياتها بهياكل هشّة.. وقطاع صناعي مقموع وقطاع زراعي مهمش، وقطاع عام عانى من (التطنيش) والضعف. وبينما ازدادت ثروات الأغنياء، عانت الفئات الشعبية ومن لايملكون سوى جهدهم العضلي والفكري منذ سنوات من تدني دخلها الحقيقي نتيجة للسياسات الاقتصادية المهمِّشة لمصالح الفئات الفقيرة والمتوسطة.

1 - ارتفعت أسعار المساكن بنسبة 40 %،والإيجارات 50 % والمواد الاستهلاكية  60%.

2 -  ارتفعت نسبة البطالة حسب تقديرات الخبراء إلى 18%.

3 - بلغ عدد المواطنين الذين لم يتمكنوا من تغطية احتياجاتهم الأساسية من المواد الغذائية بين عامي 2003 -2004 حوالي  2,02 مليون فرد أي ما يوازي  11,4% من عدد السكان، وارتفع خلال  2008 و ،2009 معدل الفقر في البلاد ليصبح  3,012%، ليشمل حوالي 5,3 ملايين نسمة، ووزع الناتج المحلي الإجمالي  بين أعوام 2001-2002-2003 بنسبة 38  % للرواتب والأجور، 62 %  للأرباح والريوع، وبلغ متوسط حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 1100  دولار بين  الأعوام  2001 -  ،2004 وهو أقل بكثير من متوسط دخل الفرد على الصعيد العربي البالغ  2429  دولار، وأنفق العشر الأفقر من السكان نحو 3% من إجمالي الإنفاق عام 2004 في حين أنفق العشر الأغنى نسبة 30% من إجمالي الإنفاق حسب مسح دخل ونفقات الأسرة الذي قام به المكتب المركزي للإحصاء لعامي  2003- 2004.

4 - أثبت الانهيار الكبير في قلعة الرأسمالية في خريف عام 2008 أهمية تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، وعدم الثقة بعدالة السوق الحرة المنفلتة التي يحركها أصحاب المليارات وأباطرة الأوراق المالية، ودور الدولة هنا لا  يقتصر على التشريع  وسن القوانين -على أهميته - بل يتعدى ذلك إلى التأثير في العرض والطلب والاستثمار  عن طريق الأداة الفاعلة  التي يمتلكها وهي قطاع الدولة الاقتصادي، ونحن نستغرب هنا كيف أن  البعض مازال يعتقد أن تنمية البلاد تتطلب دفن قطاع الدولة في حين تتزايد نسبة مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي لبلدان مثل فرنسا  (47%)  وبريطانيا  (39%)  والسويد (44%)  أما في سورية فتراجعت هذه المساهمة من 54% عام 1975 إلى32% عام ،2007 ثم إلى 30% في عام ،2010 مع الأخذ بالحسبان مساهمة القطاع العام النفطي.

في الدول الرأسمالية يعتمدون مؤشر (نسبة النمو) دليلاً على صحة السياسات الاقتصادية وفعاليتها، وتطور إنتاج القطاعات الإنتاجية والتجارية والخدمية بين سنة وأخرى، فمهام التنمية قد أنجزت فيها، أما في الدول النامية فالأمر ليس كذلك، إذ تقاس هذه السياسات استناداً لما تحققه من نجاحات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة، ومدى مساهمتها في توفير فرص عمل جديدة، وتقليص نسب الفقر، وردم الهوة التنموية بين المدن والأرياف، وتمكين المرأة، وتوفير العلاج الصحي والتعليم، ومهام أخرى تتطلبها عملية التنمية.وفي جميع الأحوال علينا معرفة الفئات المستفيدة من ارتفاع نسب النمو، وكيف توزع عوائده بين الفئات المالكة والمستثمرة، والقوى العاملة.

مهام التنمية لم تنجز في سورية.. فأمامنا الكثير. إن إنهاء الأزمة السورية عبر الحلول السياسية، هو وحده الطريق الآمن لإنهاض الاقتصاد السوري، والبدء بإعادة الإعمار، بالاستناد إلى سياسات اقتصادية متوازنة تجمع بين خطط حكومية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، وتحفيز وتشجيع للقطاع الخاص المنتج والرساميل الوطنية، للمساهمة في عملية إعادة الإعمار .

1 - راجع المجموعة الإحصائية لعام  2011.

 

انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

مقالات مختارة