رأي الحزب

النشرة البريدية

تسجيل دخول محرر الموقع

مواقع صديقة

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

8 آذار والميثاق الثلاثي

نظر الحزب الشيوعي إلى حركة الثامن من آذار 1963 على أنها انقلاب عسكري. وانطلق هذا التقدير من طبيعة الحركة نفسها، فقد قادها العميد زياد

الحريري وشارك فيها ضباط من حزب البعث ومن الناصريين والقوميين العرب والمستقلين،

وكانت اللجنة العسكرية لحزب البعث التي ساهمت في الانقلاب تضم: صلاح جديد، حافظ الأسد، محمد عمران، عبد الكريم الجندي، أحمد المير علي. وكان كل فريق يشك بالفريق الآخر وينتظر الفرصة السانحة للانقضاض عليه والانفراد بالسلطة. كما انطلق هذا التقدير من الترابط السياسي بين هذه الحركة والانقلاب الذي سبقها في بغداد في الثامن من شباط. وقد دمغ هذا الانقلاب بدمغة الفاشية والوحشية، عندما انقض على القوى التقدمية والديمقراطية العراقية، وخاصة الشيوعيين، وأعمل فيهم قتلاً وذبحاً بالمئات، بل حتى بالآلاف. وقد سقط ضحية هذا السلوك الهمجي عبد الكريم قاسم قائد تحرير العراق من حلف بغداد وإخراجه من سيطرة الأحلاف الاستعمارية، كما سقط قائد الحزب الشيوعي سلام عادل (حسين الرضى) الذي بتروا أطرافه وجدعوا أنفه وقصوا لسانه، حتى قضى شهيداً تحت التعذيب الفائق الوحشية!.

كان قائد حملة الإبادة هذه علي صالح السعدي، الذي زار دمشق، بعد يومين أي في العاشر من آذار على رأس وفد عراقي وعلى درج الأركان توجه إلى الفريق لؤي الأتاسي، القائد العام للجيش والقوات المسلحة آنذاك: يابا ماكو دم! ماكو مشانق! وين الرجعيين وعملاء الاستعمار! كنت آمل أن أراهم معلقين في ساحة المرجة. وكان جواب الفريق الأتاسي: نحن في سورية لا نحب إراقة الدماء، وهذا حقيقي إذ لم تهدر في هذا الانقلاب نقطة دم واحدة. والمقاومة الوحيدة التي ظهرت كانت في القاعدة الجوية في مطار الضمير، فتوجه اللواء حافظ الأسد إلى القاعدة واستطاع السيطرة عليها. وقد ظهرت الخلافات بين أركان النظام من اليوم الأول. فقد كان توجه حزب البعث يتركز على فكرة تجديد الوحدة، بينما كان توجه الناصريين إلى فكرة إعادة الوحدة.

كانت أولى قرارات الانقلاب ترفيع لؤي الأتاسي إلى رتبة فريق، وتعيينه قائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة، وانتخابه رئيساً لمجلس قيادة الثورة. وترفيع الحريري إلى رتبة لواء وتعيينه رئيساً للأركان.

شكل الانقلاب حكومة جديدة برئاسة صلاح البيطار، ضمت عدداً من الوزراء البعثيين والناصريين والقوميين العرب. وكان من أولى قرارات هذه الحكومة إغلاق 16 صحيفة سورية، ومصادرة مكاتبها ومطابعها. وترافق ذلك بمرسوم من مجلس قيادة الثورة يقضي بالعزل السياسي لأربعة وسبعين شخصية سياسية وحزبية من بينهم خالد بكداش. كما صدر مرسوم بتشكيل الحرس القومي، وسُرِّح 500 ضابط من الجيش حل محلهم ضباط من الاحتياط.

كان موقف الحزب الشيوعي السوري، من حركة الثامن من آذار، يتراوح بين عدة اتجاهات في آن معاً. فمن جهة كان الحزب تحت تأثير ماجرى في بغداد من مذابح ومآسي، وخيم عملياً على الشيوعيين جو من الرعب في أن تتكرر كارثة العراق.. وكان الحزب في الوقت نفسه ضد الممارسات غير الديمقراطية التي أطلقها ونفذها الوضع الجديد ضد الديمقراطية والحرية، من اعتقال الشيوعيين وإغلاق الصحف والتسريحات الواسعة من الجيش، وإعادة العمل بقانون الطوارىء، خاصة أن الحزب كان قد لاحظ ظهور تيارات ديمقراطية بعد الانفصال، ووصول عناصر ديمقراطية ووطنية إلى قيادة البلاد، وقيام انتخابات برلمانية حرة بنسبة معينة، وكانت قيادة الحزب تعيش قلقاً آخر، وهو إمكانية عودة الوحدة الاندماجية. فقد كان هناك ما يستدعي مثل هذا القلق، من حيث وجود عناصر في القيادة العسكرية تؤيد هذا التوجه ووجود تيار شعبي في الشارع السوري يدعو إلى عودة الوحدة. فقد كانت الحركة الشعبية نشطة وكانت تجري تظاهرات عديدة في العاصمة دمشق وفي حلب خاصة، وفي مدن سورية أخرى تطالب بعودة الوحدة. وكان الطلاب يهتفون «لادراسة ولا تدريس حتى يرجع الرئيس» ودفع هذا الوضع إلى إجراء تغيير في الوضع الحكومي. بتعيين العميد أمين الحافظ وزيراً للداخلية وإعطائه حق ممارسة أحكام الطوارىء.

هذه الهواجس كلها كانت في ذهن القيادة الحزبية السورية آنذاك، وكانت تكتب آراءها إلى القيادة في لبنان وإلى الرفيق الأمين العام، الذي كان لا يزال مقيماً في الخارج، وكانت التحاليل تتراوح بين هذه الانطباعات جميعاً، ولكن بعد فترة من الزمن واتضاح موازين القوى أكثر فأكثر، وظهور مواقف سياسية علنية، أخذ يسود رأي لدى الحزب أقرب إلى دعم التيار البعثي، فقد بدا الأكثر واقعية والأكثر عقلانية وخاصة عندما بدا الخلاف واضحاً حول شعاري «عودة الوحدة أو تجديد الوحدة». وقد استفاد البعثيون من الدرس العملي الذي عاشوه خلال مشاركتهم في الحكم المركزي والمحلي. وبعد التسريحات وأعمال الإبعاد عن سورية، وبعد الاستقالات الجماعية التي تمت، وبعد تلمسهم أن الاتجاه يسير نحو تصفيتهم. إضافة إلى ذلك بدأت تظهر تباشير أكثر في قيادة البعث وبدأ تعبير القادة اليمينيين يظهر في تحليلات الحزب، وفي هذه الفترة أيضاً بدأ الانفصال بين حزب البعث وأكرم الحوراني.

انعكست هذه المواقف جميعاً في البيان الذي أصدرته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري، بمناسبة استشهاد المناضل الوطني الكبير حسين الرضي، الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي، ورفاقه على أيدي الجلادين الفاشيست في العراق، في أواسط آذار 1963، وقد جاء في البيان:

»إن النبأ الرهيب عن إعدام الرفيق حسين محمد الرضي، الأمين الأول للحزب الشيوعي العراقي، والرفيق محمد حسين أبو العيس، عضو اللجنة المركزية للحزب، والرفيق حسن العويني، والكثيرين غيرهم من الشيوعيين والوطنيين الديمقراطيين والتقدميين العراقيين، بذلك الشكل الوحشي خلافاً لأبسط مبادىء حقوق الإنسان، بل خلافاً لكل قانون ولكل عرف حقوقي ولأبسط مظاهر المدنية والإنسانية، قد هز مشاعر الشعب العربي السوري وأثار في بلادنا من أقصاها إلى أقصاها، موجة من الألم والاستنكار تجاه هذه الجرائم التي تجري في قطر عربي شقيق هو العراق».

«إن الحزب الشيوعي السوري، إذ يحتج أشد الاحتجاج على هذه الأعمال البربرية، واثق بأنه يعبر عن إرادة جماهير الشعب وجميع الوطنيين والديمقراطيين في سورية العربية».

«وينبه الشيوعيون العرب السوريون الرأي العام التقدمي في البلدان العربية وفي العالم بأسره إلى أن حكام العراق يسعون بجميع وسائل الضغط والتهويل لكي تمتد موجة التنكيل والتقتيل إلى سورية وجميع البلدان العربية. إن حكام العراق ليسوا راضين عما يفعله حكام سورية الجدد الذين أخذوا، بعد انقلاب 8 آذار يملؤون السجون بالشيوعيين والنقابيين والاشتراكيين والقوميين العرب التقدميين والوطنيين من مختلف الاتجاهات. بل إن حكام العراق يطلبون من الحكام السوريين أن يسيروا على خطاهم وأن يعلقوا المناضلين العرب السوريين على أعواد المشانق، وأن ينظموا في سورية أيضاً عصابات تقتيل فاشية على غرار عصابات الربطة الخضراء في بغداد. وتلك هي إحدى المهمات الرئيسية التي يعمل لها الوزير البعثي العراقي علي صالح السعدي الذي انتقل من بغداد إلى دمشق وأصبح يعمل وكأنه وزير للجمهورية العربية السورية».

«إن شعارات الحرية والاشتراكية والوحدة العربية التي يتستر بها الفاشيون هي براء من هذه الجرائم الوحشية البربرية التي ثار لها الضمير الإنساني العالمي من مشرق الدنيا إلى مغربها».

«كلا! إن الطريق إلى الوحدة العربية ليس طريق المشانق والتقتيل والتنكيل بالشعب! إن الطريق إلى الوحدة العربية هو طريق الحرية والديمقراطية، هو طريق التضامن الشعبي العربي ضد الاستعمار والرجعية والفاشية.

العار لأيدي الاستعمار والفاشية.

المجد والخلود لشهداء الشعب العراقي الأبطال.

الحرية والديمقراطية للعراق وسورية ولجميع الأقطار العربية».

في إطار هذه التطورات جميعاً، وفي إطار الصراع بين الاتجاه البعثي والاتجاه الناصري، بدأت تظهر فكرة إقامة وحدة ثلاثية بين مصر وسورية والعراق. وكانت خلفيات هذه الفكرة، توجهاً لدى عبد الناصر، بأن يستميل البعث العراقي ويستعيد السيطرة على سورية. كما كان هناك وهم آخر، بأن حزبي البعث في سورية والعراق قد يستطيعان تكييف عبد الناصر، والخلاص من الصراع السوري ـ المصري. وبتاريخ 6/4/1963 بدأت مباحثات هذه الوحدة باجتماع ثلاثي، سوري برئاسة لؤي الأتاسي، ومصري برئاسة جمال عبد الناصر، وعراقي برئاسة أحمد حسن البكر. وانتهت هذه المباحثات في 17/4/1963. أعلن الميثاق الثلاثي، ميثاق الاتحاد بين البلدان الثلاثة، وهذا يعني أنه خلال عشرة أيام جرى بحث وإعلان وحدة جديدة حاولت أن تستفيد من دروس الوحدة السابقة.

الميثاق الثلاثي هو عبارة عن وثيقة واسعة متعددة الجوانب، ويمكن تلخيص أهم أفكارها بالأسطر التالية:

عَدَّ الميثاق الوحدة اتحاداً، تقوم أسسه على: وضع ميثاق للعمل القومي، إعلان حرية تكوين المنظمات الشعبية، توحيد القيادات السياسية على المستوى الاتحادي، توحيد الشخصية الدولية والسياسة الخارجية، تحقيق وحدة عسكرية، توحيد أجهزة التخطيط، تكوين جبهة سياسية في كل قطر توحد العمل السياسي، قيادة سياسية واحدة تقود وتوحد العمل السياسي في الدولة (لا يعني هذا حل الأحزاب الوحدوية القائمة).

لا حرية لأعداء الشعب وهم:
1 ـ المعزولون سياسياً، 2 ـ كل من حوكم ثورياً أو أدين بأنه انفصالي أو مستقل. 3 ـ كل من تعامل أو يتعامل في المستقبل مع التنظيمات السياسية الأجنبية. 4 ـ كل من عمل أو يعمل لفرض سيطرة الطبقة الواحدة.

ـ القيادة الجماعية، الحريات مكفولة في حدود القوانين، المواطنون سواء أمام القانون، الانتخاب العام حق للمواطن.

ـ إن طريق الثورة طريق الاشتراكية ضرورة حتمية يفرضها الواقع التاريخي، وتفرضها الآمال العريضة للجماهير لمواجهة التخلف الاجتماعي والاقتصادي في الوطن العربي كما تفرضها الظروف العالمية.

ـ سيطرة الشعب على كل أدوات الإنتاج ويمكن الوصول بذلك إلى:

ـ خلق قطاع عام وقادر أن يقود التقدم في جميع المجالات ويتحمل المسؤولية الرئيسية في خطة التنمية.

ـ وجود قطاع خاص يشارك في التنمية في إطار الخطة الشاملة.

ـ التخطيط اشتراكي.

ـ حد أعلى للملكية الزراعية يقضي على الإقطاع.

ـ الشعب العربي يؤمن برسالة الدين.

ـ الدولة اتحادية: الجمهورية العربية المتحدة.

ـ مجلس الأمة هو أعلى هيئة لسلطة الدولة، ويتكون من مجلسين: مجلس نواب ومجلس اتحاد.

ـ رئيس الجمهورية ينتخب من مجلس الأمة,

عند مقارنة هذه الأسس مع الأسس التي قامت عليها الوحدة السورية المصرية، تجد فروقاً هامة. ويظهر ذلك في طابع الوحدة واعتبارها اتحادية، كما يظهر في انتخاب رئيس الجمهورية من مجلس الأمة وليس من الشعب مباشرة. إضافة إلى جميع الأمور المتعلقة بالبناء الاقتصادي والاجتماعي.

ولكن هذا الميثاق الذي أريد له أن يكون واضحاً تجاه قضايا النضال الوطني والطبقي، أظهر عداء واضحاً للشيوعية في بعض البنود، وخاصة الحديث عن الدعوة إلى سيطرة طبقة واحدة، والعلاقات مع قوى سياسية عالمية.

بدأت الاختلافات تظهر داخل حكومة صلاح البيطار بين البعثيين والناصريين. وكان توجه البعث واضحاً، وهو استلام وتثبيت مقاليد الحكم بيده في كل من العراق وسورية. وبدأ تنفيذ هذا الاتجاه في الجيش عن طريق التسريحات التي تمت، وفي تجنيد المئات من ضباط الاحتياط. بينما كان الموقف الشعبي غير ذلك، إذ كانت التظاهرات والتجمعات الشعبية مستمرة، تطالب بعودة الوحدة، وتهتف لعبد الناصر والناصريين, ولم يعد ممكناً استمرار هذا التناقض الحاد، الأمر الذي أدى إلى استقالة الوزراء الناصريين والقوميين العرب، وتشكيل وزارة جديدة برئاسة صلاح البيطار من البعثيين وعدد من المستقلين، وأصبح أمين الحافظ نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للداخلية.

قابل عبد الناصر هذا الوضع بحملة دعائية واسعة ضد حزب البعث وانفراده بالسلطة، وسُخِّرت إذاعة القاهرة وصحفها لهذه الحملة الشعواء.

تطور هذا التناقض إلى درجة الصدام. ففي 17 تموز جرت محاولة انقلابية ناصرية بقيادة جاسم علوان. وفشلت هذه المحاولة واعتقل عدد كبير من المشاركين فيها وجرى إعدامهم مباشرة، وانتهى الأمر بإعلان عبد الناصر الانسحاب من الاتفاق الثلاثي: «إن الجمهورية العربية المتحدة، لا تعتبر نفسها مرتبطة أو ملزمة بأي اتفاق مع الحكومة السورية الحاضرة، لأن حكم البعث حكم فاشستي متسلط ودموي، وهو حكم المشانق وحمامات الدم..»[1].

في تلك الفترة كان الفريق لؤي الأتاسي في القاهرة، وعاد إلى دمشق وقدم استقالته من مجلس قيادة الثورة، وقبلت الاستقالة، وعين أمين الحافظ قائداً للجيش ولمجلس قيادة الثورة، وبدأت تطورات جديدة.

درس الحزب الشيوعي هذه التطورات وأصدر وثيقة بعنوان: »بعد انهيار ميثاق 17 نيسان إلى أين؟« بقلم معلق عربي مخضرم. والمعلق العربي المخضرم هو الرفيق خالد بكداش، الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري. وهذا التعليق طويل يقع في ثماني صفحات من الورق الرقيق والخط الصغير الذي كانت تتميز به النشرات السرية للحزب، ونقتطف منه الصفحتين الأخيرتين:

»أين الطريق!

»منذ أن انقضى عهد الازدهار والتقدم والديمقراطية الذي عرفته سورية في الأعوام 55، 56، 57، عندما كان اسم دمشق ملء السمع والبصر. في مشرق الأرض ومغربها، وعندما كانت أبهى الآفاق ترتسم أمام الشعب السوري، منذ ذلك الحين لم تعرف سورية حكماً مستقراً قوياً أخذ بيدها في طريق التقدم والازدهار.

»فالحكم المباحثي الديكتاتوري في عهد الوحدة أفلس وانهار. وحكم الكزبري والقدسي أظهر كذلك عجزه، فرغم نجاح الضغط الشعبي، بتأييد من الوزراء التقدميين، في انتزاع قسط من الحرية الديمقراطية، وفي فرض بعض الإصلاحات الاجتماعية، فإن الخط العام المسير لهذا الحكم كان يتميز بالسعي للتصدي للتقدم الاجتماعي إلى أمام والعمل لصون أكثر ما يمكن من امتيازات الطبقة البرجوازية وكبار الملاكين وكبار المستثمرين بوجه عام.

»إن الحكم البعثي الراهن الذي ما يزال مستمراً منذ انقلاب 8 آذار، هو حكم متداع متهافت يعيش يوماً بيوم، ولا يجد أمامه مخرجاً سوى الجنوح أكثر فأكثر إلى حكم الإرهاب والديكتاتورية وإلى الأساليب الفاشستية كعصابات الحرس القومي، ومع ذلك كله لا ينظر إلى الحكام البعثيين اليمينيين بأية ثقة إلى مستقبل حكمهم. وقد بلغ من ضعفهم وخوفهم من الشعب أن أخذوا يستغيثون بجهاز الحكم الفاشي في العراق، وهم يفكرون جدياً في تحقيق وحدة ثنائية عراقية ـ سورية، فلعلها أن تكون، حسب اعتقادهم عوناً لهم في تثبيت حكمهم.

غير أن الحكم الفاشي العراقي نفسه واقف بقدميه على الرمل. ويتساءل المرء أيهما سينهار أولاً، حكم السعدي أم حكم البيطار. ولكن من الواضح أن مصيرهما شديد الارتباط وانهيار أحدهما سيعجل دون ريب في انهيار الآخر.

»وهكذا فإن مسألة الحكم في سورية موضوعة على بساط البحث بشكل ملح، ومهما كانت العوائق ومهما كانت التقلبات فلا مناص من أن تنضج الظروف لحل هذه المسألة بصورة تتفق وحاجات التطور الموضوعي الذي تجابهه البلاد.

»فلابد إذن من الاستعداد لمجابهة هذه الظروف. إن الحكم القادر على تحقيق المهمات الموضوعة أمام البلاد، وتأمين الاستقرار والتقدم، هو حكم تنعكس فيه المصالح المشتركة بين الطبقة العاملة وجماهير الفلاحين والطبقة المتوسطة في المدن والفئات التقدمية من البرجوازية الوطنية.

»ويتمثل ذلك، سياسياً، في حكم يستند إلى دعم جبهة وطنية تشمل جميع القوى السياسية الوطنية الديمقراطية، من القوميين الديمقراطيين على اختلاف اتجاهاتهم، إلى البعثيين اليساريين، إلى الشيوعيين، إلى ممثلي الفئات التقدمية من البرجوازية الوطنية.

»ويكون أهم مهمات هذا الحكم، إجراء إصلاح زراعي جذري بمساهمة الفلاحين، توسيع قطاع الدولة في الاقتصاد الوطني، تصفية كل نوع من أنواع الاحتكار، التعجيل في تنفيذ المشاريع الكبرى المعطلة أو المتوقفة وفي رأسها سد الفرات وسكك الحديد ومعمل السماد الكيماوي، استثمار نفطنا بأنفسنا ولأنفسنا، إقامة ديمقراطية واسعة يتمتع فيها الشعب بكامل حرياته وتعطى فيها الجماهير إمكانية الاشتراك في تسيير شؤون الدولة وفي تنفيذ التحولات الاقتصادية والاجتماعية والإشراف عليها، توطيد مكاسب العمال وتوسيعها مع تطبيقها فعلاً بمساهمة العمال وبإشرافهم أنفسهم.

»ونحن لا نذكر هنا طبعاً سوى الخطوط العريضة للمهمات التي يواجهها هذا الحكم.

»ولكي يستطيع مثل هذا الحكم تحقيق مثل هذه المهمات الكبرى لابد من أن ينهج سياسة حازمة ضد الاستعمار، وسياسة صداقة وتعاون واسع وعلى قدم المساواة مع الاتحاد السوفييتي وسائر بلدان المعسكر الاشتراكي، وأن يساهم بنشاط في النضال العالمي لتوطيد السلم ونزع السلاح، وأن يطبق بصدق ونزاهة سياسة الحياد الإيجابي في الميدان الدولي.

»إن هذا الاتجاه هو ما نسميه، نحن الشيوعيين، تكوين دولة الديمقراطية الوطنية، أو دولة الديمقراطية القومية، التي تضع الأسس وتخلق الظروف للانتقال إلى الطريق غير الرأسمالي في التطور وتوفر إمكانية المرور سلمياً إلى الاشتراكية.

»إن مثل هذه الطريق هي طريق الاستقرار والتقدم والازدهار، وعندئذ لا تكون سورية فقط مهد الفكرة العربية كما كانت دائماً، بل تصبح عملياً قاعدة الوحدة العربية المتحررة الديمقراطية ومنطلقها!

»هذه هي الطريق لبناء دولة قوية تفرض شخصيتها في العالم العربي، فلا يتطاول عليها متطاول، ولا يتحدى هيبتها مقامر، ولا يعبث بأمنها متسلل مرتزق، ولا يرفع سلاحه في وجهها إنكشاري لعب في رأسه جنون العظمة أو الطموح إلى السلطان! وإذا حدث أن تجرأ إنكشاري على مثل هذا، فعندئذ لا يقف الشعب موقف المتفرج الواجم العابس، بل يهب للدفاع ببسالة عن حكم يشعر بأنه حكمه، بأنه ينبثق منه ومن إرادته ومن مصلحته!

»لقد أصبح مصدر القوة الثابت ومقياسها، في عصرنا هذا، هو التأييد الشعبي الفعلي والفعال!

»أما الإرهاب، والأحكام العرفية، وساحات الإعدام، والمشانق، وعصابات الحرس القومي، والصيحات الهستيرية الشوفينية فهي، في هذا العهد التاريخي الذي يجتازه العالم، عهد الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، لم تعد مصدر قوة، بل مصدر ضعف، وهي لا تدل على حكم قوي مستقر بل على حكم متزعزع مترجرج، متهافت، لا يثق بنفسه ويخاف الشعب، يخجل من ماضيه ويرتعش أمام غده.

»ومثل هذا الحكم، كما نرى في سورية اليوم، يزرع الخراب والدمار في البلاد، فيتدهور الاقتصاد، ويتفاقم الكساد، وتنتشر البطالة، ويستفحل الغلاء، وتعم الفوضى في جميع المرافق، وكل ذلك لا يؤدي في آخر المطاف، بصرف النظر عن النيات، إلا لخدمة المستعمرين والطامعين جميعاً.

»إن الشعب العربي السوري، سيثبت أنه يعي كل هذا فيأخذ مصيره بيده القوية البناءة«.

24 تموز 1963



[1] ـ أكرم الحوراني مذكرات ص 3203.

 

المصدر: كتاب(يوسف الفيصل - ذكريات و مواقف)

انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

الحزب في سطور