رأي الحزب

النشرة البريدية

تسجيل دخول محرر الموقع

مواقع صديقة

لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية
لافتة إعلانية

خسرت قيمتها مرتين في ثلاثة عقود والإدارة النقدية غائبة...انتكاسة خطيرة لليرة!

ثمة جريمة اقتصادية، نقدية الوصف، يتعرض لها اقتصادنا، الذي يئن من كثرة المتدخلين سلباً في شؤونه، ويعاملونه بلا حكمة. إذ إن أسعار الصرف التي يتحكم فيها: المصرف المركزي، والمضاربون الكبار، باتت المتاح القليل لتجميع الثروات على حساب المواطنين الأبرياء ووطنهم الجريح، واقتصادهم المدمر. فكل التدخلات التي قادها المركزي بشأن سعر الصرف، عبر بيعه شرائح القطع الأجنبي أو طرائق تمويل المستوردات، تثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن هذا التدخل أتى منحازاً لفئة معينة، من حيتان السوق الكبار وقططه السمان، بينما بقية المواطنين، وهم الأغلبية الساحقة، عاملهم المركزي كأبناء البطة السوداء.

يشهد سعر صرف الليرة انتكاسات خطيرة، وتتعرض الليرة لثاني عملية تستهدف قيمتها، منذ ثمانينيات القرن الماضي، عندما قفز الدولار حتى تخوم الخمسين ليرة، مقارنة بسعر 5  ليرات مطلع الثمانينيّات. فالمستويات التي وصل إليها سعر الصرف حالياً، والبالغة 450 ليرة مقابل الدولار، مسبوقة قبل ثلاثين عاماً مضت، إذ خسرت ليرتنا في كل مرحلة من المرحلتين المذكورتين على حدة نحو 90% من قيمتها، وهذا يعني أن الليرة خسرت قيمتها كاملة مرتين متتاليتين في ثلاثة عقود. فيما يبدو أن الاتجاه الحالي لسعر الصرف، هو اتجاه صاعد، مدفوع بعدة عوامل سياسية واقتصادية والفساد.

هذا الثالوث الذي يتحكم بأسعار صرف الليرة، ينكره المركزي، ويتجاهل عمداً، كل الأسباب الأخرى المتداخلة في التأثير على سعر الصرف. فمنذ خمس سنوات لم يقدم حاكم مصرف سورية المركزي أديب ميالة قراءة واضحة، لواقع أسعار الصرف، والاتجاهات الضاغطة على هذه الأسعار. وتجاهل عمداً كل المطالبات التي حثت على بناء تحصينات قوية لليرة، تحميها من الاستهداف، وتقيها شر المضاربين، وتنقلها إلى مرحلة أكثر قوة وحيوية، تفضي بشكل حقيقي إلى تمسّك المواطنين بعملتهم، وتلفظ خارجاً كل المضاربين والمتاجرين بها، وتضيق الخناق على أولئك الذين يحركون سعر الصرف بمناسبة ودونها.

ورغم أن العامل السياسي حالياً أفضل من الفترات السابقة، بناء على معطيات الميدان العسكري، فإن المركزي لا يستفيد من هذا العامل البارز، والمؤثر جداً في تحديد سعر معقول لليرة، وتثبيت سعر صرفها. إذ إن المركزي يعاكس كل نظريات النقد، ويتجاهل بقوة الاستفادة من هذا العامل، الذي يعتبر دينامو التأثير على أسعار العملات. فهو المصرف الوحيد عالمياً، الذي يقوم بليّ عنق النظريات، وتشويهها، ويفشل في الاستفادة من الظروف المحيطة. بدليل أنه في معرض تبريره غير الموفق لارتفاع سعر الصرف حالياً، رأى أن ما يجري في حلب سبب في رفع سعر الصرف، ويستحق هذا الموقف، المحاسبة، بتهم كثيرة، إذ من غير المقبول أن يقاس تحرير منطقة أو فقدان السيطرة عليها، يقاس نقدياً بمسطرة واحدة، ويفسر برأي متطابق. ما يدفعنا للتساؤل: متى إذاً يكون هذا العامل إيجابياً بنظر المركزي؟

فشل المركزي في استثمار الظروف المواتية داخلياً، يكشف للمرة المليون عقم الإجراءات التي يتخذها، وهذا قل نظيره على مستوى كل المصارف المركزية، التي تبحث عن خيط مبشر يلوح في أفق الاقتصاد، لتعزيز سياساته النقدية، وتعميق ربطها مع السياسة الاقتصادية.

أما العاملان الآخران المرتبطان عضوياً، بممارسات المركزي ومجلس النقد والتسليف، وهما الاقتصادي والفساد، فلا بد من الإقرار أن وضع اقتصادنا لا يرضي أحداً، ولا نجانب الصواب إذا اعتبرنا أن اقتصادنا المشلول، والعملية الإنتاجية المتوقفة، أدت إلى ممارسة مزيد من الضغوط على الليرة، فالتصدير شبه المتوقف، هو نتيجة حتمية لتوقف الإنتاج الصناعي والزراعي والحرفي، والموجود هو في أدنى حدوده. كيف يستمر حاكم المركزي ببث طمأنات تثير الابتسام، حول تحسّن سعر صرف الليرة، والإنتاج متوقف؟ ألا يعد هذا بيعاً للوهم؟ ألف باء النقد، يدل أن العملات هي سلع، ومدى قيمة هذه السلعة وتوفر العناصر التي تدعمها، يؤدي الى تحسين قيمتها. هل حاكم المركزي، القادم من أعرق الجامعات ( دمشق) ومن أفضل الكليات (الاقتصاد)، لا يدرك هذه المعلومة؟ حتماً، يعلمها، ويعي مخاطرها، ولكنه لا يعمل بها، ويصدر القرارات، ويبث التصريحات المخالفة لهذه النقطة، فهل هو مكبل اليدين؟!

ويثير العامل الثالث في هذا الهرم، أي الفساد، حنق المواطنين، ويزيد من طين أزمة سعر الصرف بلة، ويعزز فقدان الثقة بالليرة. أخطر ما يواجه الليرة الآن هو فقدان ثقة المتعاملين بها، من يملك الجرأة الحقيقية لإيداع مبالغ بالليرة السورية؟ أليس هذا سؤالاً يستحق من الحاكم الإجابة عنه، وتوضيح مخاطره للناس؟ لماذا سمح المركزي لمليارات الدولارات بالانتقال من المصارف السورية إلى اللبنانية، بينما يحارب الضعفاء اقتصادياً؟ وإذا علمنا من هم الذين نقلوا إيداعاتهم للمصارف الأخرى، نصل إلى منتصف الطريق، ونحصل على نصف الحقيقة.

ليس خافياً على أحد من هم القادرون على نقل أموالهم، أو تحويل ثرواتهم للخارج، وقد نتعاطف معهم، إزاء هكذا إدارة نقدية، حطمت كل آمال تحسين سعر الصرف، وكانوا يعلمون أن السلطة النقدية غير عابئة، بانخفاض قيمة هذه الثروات. لا نريد الاقتراب من الدافع الوطني الذي يلزم الجميع، بالمحافظة على حد أدنى من التضحية، فهذا الزمن حوّل الوطن المدمى واقتصاده إلى كعكة. إن ما تتعرض له الليرة من عمليات فساد، بسبب تعدد أنواع الصرف وأوجه التدخل، يبقي الأبواب مشرعة على مصاريعها، لممارسة فساد كبير. في وقت تتجاهل السلطة النقدية حصر عمليات التدخل بالقطاع العام، ووفق أسس ومعايير واضحة، كفيلة بصد الفساد. كانت سورية تمتلك قبل الأزمة الراهنة، ما قيمته 18 مليار دولار كاحتياطي قطع أجنبي، وفقاً لسلة العملات المحددة دولياً، إضافة إلى كمية من الذهب غير مصرح عنها. وعقب خمس سنوات من الحرب الطاحنة، ليس خافياً أن هذا الاحتياطي تآكل، وذهب مع غيره من مقدرات اقتصادية أخرى كانت تمثل بيضة القبان بالنسبة للاقتصاد الوطني وكفته الراجحة كالمنتجات الزراعية وثرواته الباطنية فضلاً عن البشرية، ما يعني أن الليرة وحيدة تصارع المضاربين والفاسدين.

سعر الصرف الحالي ليس غير مسبوق، كما يزعم الحاكم ومجلس النقد والتسليف واللجنة الاقتصادية المصغرة في مجلس الوزراء التي لم نسمع صوتها منذ أشهر. كما أن ما يورده مجلس الوزراء في خبره عن جلسته الأسبوعية التي باتت تثير مخاوفنا، يحتاج إلى توضيح، وإقناع، وبناء الثقة مع الناس الذين أرهقتهم الحرب المفتوحة على لقمة عيشهم وليرتهم، وأرضهم ووطنهم المستباح. ليست المشكلة - كما أكدنا مراراً - ونعيد الآن، في مستوى سعر الصرف، بل في المحافظة على سعر صرف عادل ومتوازن، دون تذبذب، وبلا هزات قاسية، وهذا يحتاج إلى إدارة نقدية، لا موظفين ينفذون القرارات والتعليمات الجامدة، الخالية من كل معنى، كما يجري الآن.

 

ثامر قرقوط - النور

إضافة تعليق


مود الحماية
تحديث

انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

News